الاقتصاد العالمي في عام 2015

في اجتماعه الدوري المنعقد في دبي؛ طرح منتدى الاستراتيجيات العالمي مجموعة من السيناريوهات لمسار الاقتصاد الاقليمي والعالمي خلال العام 2015. وشارك في فعالياته عدد من الشخصيات العربية والعالمية بهدف استشراف مستقبل العالم والمنطقة العربية سياسيا واقتصاديا، خلص المؤتمر إلى أن عام 2015 سيشهد بعض المؤشرات السياسية والاقتصادية الإيجابية رغم التحديات الصعبة التي تواجهها المنطقة حاليا. قد نتفق مع بعض ما وصل إليه المؤتمر ونختلف مع البعض الآخر. ومن المفارقات الغريبة أن يتزامن تفاؤل المنتدى، مع تقرير صندوق النقد الدولي المتشائم بشأن نمو الاقتصاد العالمي لهذا العام، حيث خفض الصندوق توقعاته بـ 0.3% للنمو العالمي في العام 2015 ليصبح 3.5% وتسود أجواء مضطربة في منطقة اليورو بعد فوز حزب سيريزا المناهض لسياسات التقشف.


تبنى منتدى الاستراتيجيات وجهة نظر تقول، إن مصر بدأت بالعودة بقوة إلى طريق الاستقرار الاقتصادي والسياسي! إن استقرار مصر السياسي والاقتصادي أمنية للمخلصين والشرفاء في الوطن العربي، إلا أن المؤشرات السياسية والاقتصادية لم تُزَكّ هذا الرأي للأسف الشديد. كما اعتبر المنتدى وجود “تحالف دولي قوي ضدّ الإرهاب” يعمل على ضرب داعش من مظاهر الايجابية. محاربة أمريكا للإرهاب تحتاج إلى تدقيق. هناك وجهة نظر تقول إن أمريكا راعية الإرهاب في العالم، فقد حظيت الحركات الإرهابية بدعم أمريكي منذ نشوئها، في أفغانستان والباكستان ومن ثم انتقالها إلى سوريا والعراق. وإلا كيف نفسر بروز داعش بهذه القوة واستيلائها على مناطق واسعة، وعناصرها يجوبون الصحراء في سوريا والعراق بشاحناتهم الصغيرة المكشوفة للطيران الأمريكي دون رادع. لعلنا نضع مقارنة بسيطة بين حرب الإبادة التي نفذها الحلف الأطلسي ضد القوات الليبية عشية إسقاط حكم القذافي الزاحفة نحو بنغازي وبين ما يجري مع داعش في سوريا والعراق، كما أن التصريحات المتكررة لمسؤولين عراقيين عن حالة الضعف التي يعاني منها الجيش العراقي، وعدم تزويده بأسلحة فعالة في مواجهة داعش دليل كافٍ، علما بأنه تم تشكيله من قبل الاحتلال الأمريكي بعد حل الجيش العراقي.
وعلى الصعيد الاقتصادي توقع التقرير أن تستفيد اقتصادات الدول المستوردة للنفط من الأسعار المنخفضة خلال السنة القادمة، الأمر الذي سيكون له آثر إيجابي على مسيرة التنمية والاستقرار وحركة الأسواق فيها. هذا صحيح من حيث المبدأ، فقد حصدت الصين 100 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأخيرة بسبب انخفاض أسعار النفط، بالمقابل تراجعت عائدات الدول المصدرة، وتعاني موازناتها من عجز كبير وسوف تستنزف فوائضها المالية، وبعضها اتجه نحو الاقتراض، وما انهيار سعر صرف الروبل إلا دليل على ذلك.
أما القول بأن زيادة إنتاج الطاقة في الولايات المتحدة يسهم بتحسن معدلات النمو الاقتصادي الأمريكي ليس دقيقا، فمن المعروف أن الزيادة جاءت من إنتاج نفط الصخر الزيتي عالي التكلفة، حيث قدر مستشار البنك الدولي لشؤون الطاقة البرفسور ممدوح سلامه كلفة البرميل الواحد حوالي 80 دولارا، وبذلك تعتبر زيادة إنتاج الطاقة عبئا على الاقتصاد الأمريكي في ظل انخفاض أسعار النفط إلى حوالي 40 دولارا للبرميل. وعلى أهمية تراجع معدلات البطالة في الآونة الأخيرة وتحسن النمو الاقتصادي المدعوم بشراء الاحتياطي الفيدرالي بالسندات وخفض الفوائد، إلا أن معدلات البطالة ما زالت تشكل عنصرا سلبيا على الرغم من تراجعها عن مستوياتها مقارنة لعام 2009. وفي إشارة لحساسية وضع الاقتصاد الأمريكي عبر مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية “إن أكثر الجوانب غموضا في توقعات الاقتصاد الأمريكي أن يكون عام 2015 هو العام الذي يبدأ فيه الاحتياطي الفيدرالي في رفع معدل أسعار الفائدة التي انحصرت منذ نهاية 2008 بين الصفر و 0.25% كإجراء احتياطي خلال الأزمة المالية العالمية بينما لم يتبين حتى الآن أن الاقتصاد قادر على الازدهار بدون تلك المعدلات المنخفضة”.
من ناحية أخرى لا أحد من المراقبين المختصين يوافق على ما ذهب إليه المنتدى أن اقتصادات منطقة الاتحاد الأوروبي أصبحت في بداية التحول نحو النمو الحقيقي، وأن مستويات المعيشة آخذة بالتحسن لدى المواطنين! من المعروف أن أداء الاقتصاد الأوروبي مازال ضعيفا، ومعدلات النمو متواضعة، وشعوب معظم البلدان الأوروبية تعاني من سياسة التقشف، وخاصة في اليونان والبرتغال وإسبانيا وإيطاليا، والتي تواجه معدلات بطالة مرتفعة. وقد جاءت نتائج انتخابات اليونان دليلا واضحا على رفض الشعب اليوناني سياسة التقشف، وإن فوز سيريزا فتح الطريق أمام أحزاب يسارية أوروبية للوصول إلى السلطة، وكسر سياسة التقشف التي فرضتها الترويكا، ومنها “بوديموس” الإسباني الذي فاجأ العالم بشعبيته، واعتبر الأعلى في استطلاعات الرأي، وهو حزب يساري راديكالي رافض لسياسة التقشف. فقد أعلن أن فوز سيريزا في الانتخابات التشريعية “حقبة جديدة” وأعرب عن أمله في الاستفادة من التجربة اليونانية. من ناحيته أعلن سيريزا أنه سيرفع الحد الأدنى للأجور من 580 إلى 751 يورو، محذراً أنه لم يكتف بخفض نسبة الفائدة بل يريد خفضًا فعليًا للدين، الذي تجاوز 300 مليار يورو ويشكل 175% من الناتج المحلي الإجمالي. ولدى سيريزا برنامج شعبي طموح من بينه تحقيق إصلاحات ضريبية تكفل مساهمة أصحاب الدخول المرتفعة، وفرض ضريبة على السلع الكمالية، وخفض النفقات العسكرية، وزيادة إعانات العاطلين عن العمل وزيادة الحماية الاجتماعية، وتأميم البنوك والسكك الحديدية والمطارات والبريد والمياه، وإلغاء التعاون العسكري مع “إسرائيل” وتقديم الدعم لإنشاء دولة فلسطينية على حدود 1967.