كَشَفتْ بياناتُ الربع الثالث للعام الحالي تراجعَ معدلات النمو الاقتصادي للمراكز الرأسمالية؛ فقد أظهرتْ الإحصاءات الرسمية أنَّ الاقتصاد الياباني واصل انكماشه للربع الثالث على التوالي؛ ليصل حجم الانكماش السنوي إلى 1.9%؛ وذلك بعكس التوقعات التي تنبأت بارتفاعه 2.1%. كما بلغ معدل النمو الاقتصادي للاتحاد الأوروبي -الذي يضم 28 دولة- في الربع الثالث للعام الحالي 0.3%، ولم يتجاوز معدل النمو في منطقة اليورو 0.2%. وقد تراجع اقتصاد ألمانيا إلى 1% الذي يعتبر أهم اقتصاد في منطقة اليورو والاتحاد الأوروبي عموما. أما الاقتصاد الفرنسي، فقد نَمَا بنسبة 0.3%، بينما بَقِي معدل النمو سالبا في إيطاليا، وهي معدلات منخفضة جدا بالنسبة لأهم اقتصادات منطقة اليورو، والتي تشكل محور النمو في المنطقة. وكذلك أظهرت تقارير مكتب الإحصاءات الأوروبي ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل في المنطقة في الشهر الماضي، وهو ما أبْقَى معدلات البطالة عند 11.5 في المائة للشهر الثالث على التوالي.
وفي المقابل، حَافَظ الاقتصاد الصيني على معدلات نمو مرتفعة وصلت إلى 7.3% مسجلا تراجعا طفيفا، مقارنة مع 7.5% في العام 2013, كما تفوَّقت الصين على الولايات المتحدة في التجارة الخارجية مع إفريقيا؛ حيث بلغت 210 مليارات دولار في 2013، في حين تراجع حجم التجارة بين الولايات المتحدة وإفريقيا إلى نحو 95 مليار دولار. كما ارتفعت صادرات الصين بنسبة 4.7% في شهر نوفمبر مقارنة بالعام الماضي؛ مما يُعزِّز دور الاقتصاد الصيني عالميا.
ومن جانبه، أعلن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن “المؤشرات سلبية على جدول الاقتصاد العالمي”، بعد ستة أعوام من الأزمة التي “دفعت إلى تركيع العالم” وأعلنت اللجنة التوجيهية لصندوق النقد الدولي أنَّه مع تعثر اقتصاد اليابان، وتعرض منطقة اليورو لخطر الكساد، ونظراً لأن التعافي الأمريكي أضعف من أن يساعد على توليد زيادة في الدخول، فإنَّ التركيز على النمو يجب أن تكون له الأولوية.. هذا ما توصل إليه صندوق النقد الدولي: التركيز على النمو لمواجهة الأزمة! ما الجديد بطرح خبراء الصندوق بعدما فشلت توجيهاته وإملاءاته خلال السنوات الست الماضية في إخراج الاقتصاد الرأسمالي من الأزمة، إن لم نقل إن سياسات الصندوق وإملاءاته أغرقت عشرات البلدان النامية بالأزمات المالية والاقتصادية؟ وما يجري في الوطن العربي من كوارث سياسية وحروب أهلية ما هو إلا نتائج للسياسات الليبرالية التي قدمت للنظام العربي كوصفة “ناجعة ووحيدة” لاقتصادات الدول النامية، كبديل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، التي أدت إلى تعميق التبعية الاقتصادية وتفاقم الأزمة؛ فمنذ العام 2008، ويردِّد الصندوق عبارات جوفاء لا تحمل مضامين اقتصادية للخروج من الأزمة؛ فالاقتصاد العالمي يمر بأزمات عميقة جوهرها تشديد الاستغلال الرأسمالي للطبقة العاملة وشعوب البلدان النامية، ومظهرها تراجع النمو الاقتصادي، كما تجلت مظاهر الأزمة بالفقر والبطالة والإجراءات التقشفية التي أقدمت عليها المراكز الرأسمالية بزيادة الضرائب على المواطنين وتراجع الخدمات الاجتماعية. لقد اعترفت الحكومة اليابانية أنَّ رفع ضريبة المبيعات بنسبة 3% في بداية العام الحالي أدخل الاقتصاد الياباني في حالة الانكماش الاقتصادي، هذه السياسات ومثيلاتها في المراكز الرأسمالية والبلدان النامية عمقت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وعرضت ملايين البشر للبطالة والفقر والإملاق، وتراجع القدرة الشرائية بشكل ملحوظ، وأنتجت ما يُعرف اليوم بتراجع النمو الاقتصادي. وبدلا من معالجة جوهر الأزمة اتجهت المراكز الرأسمالية نحو النزعات الفاشية بإشعال الحروب الإقليمية المدمرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا لإنعاش احتكارات السلاح، غير آبهة بنتائج سياساتها المدمرة من قتل وتشريد.
وقد لجأتْ البنوك المركزية في الولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو وبريطانيا، إلى تخفيض أسعار الفائدة ً لتنشيط النمو الاقتصادي، وتعهَّدت بإبقائها منخفضة فترة أطول حتى يترسَّخ التعافي. لا أحد يُنكر أهمية انخفاض سعر الفائدة في التحفيز الاقتصادي، لكن العامل الحاسم في مواجهة تراجع النمو أحداث سياسات اقتصادية جديدة قائمة على توزيع عادل للثروة، تنصفُ القوى العاملة التي تشكل العمود الفقري في الإنتاج والاستهلاك، وإقامة علاقات اقتصادية متكافئة مع الدول النامية.
ورغم اعتراف مؤسسات دولية بالأسباب الحقيقية وراء تراجع النمو الاقتصادي واستمرار الأزمة، إلا أنَّ الدول الرأسمالية غير معنية في معالجة هذه الأسباب؛ لأنها تتعارض مع مصالحها، فقد أعلنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أنَّ التباين الكبير في الدخل بين الأغنياء والفقراء له “تأثير مهم إحصائيا” على النمو الاقتصادي؛ ففي المملكة المتحدة -على سبيل المثال- كلف التباين المتزايد في الدخول الاقتصاد الوطني تسع درجات مئوية من النمو تقريبا بين عامي 1990 و2010، وفي الولايات المتحدة سبع درجات مئوية. وتوصلت المنظمة أيضا إلى أن إعادة توزيع الثروة من خلال الضرائب والإعانات الاجتماعية لا تعرقل النمو الاقتصادي. بل إنَّ معالجة التباين المتزايد في الدخول بين الأغنياء والفقراء أمرٌ حيوي لخلق نمو اقتصادي قوي ومستمر.