بغض النظر عن المبررات التي تسوقها الحكومة الاردنية لتغطية قرارها المشين بالتوقيع على اتفاقية شراء الغاز مع الكيان الصهيوني لمدة 15عام، والذي يعتبر قرارا سياسيا لا يمت بصلة بالمصالح الوطنية والاقتصادية، ينطوي على هذه الخطوة مخاطر حقيقية، اقلها اخضاع البلاد للابتزازالصهيوني والارتهان السياسي. عدا عن الاعتراف بالامر الواقع الناجم عن اختلال موازين القوى في الصراع العربي – الاسرائيلي، والسير بالمشروع الصهيوني المبني على الحل الاقتصادي، متجاهلا الحقوق الوطنية المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، والتنكر لقرارات الشرعية الدولية بالانسحاب من الاراضي العربية المحتلة، وحق العودة للاجئين الفلسطينين، كما تأتي هذه الخطوة في ظل تغول اسرائيلي وارتكاب جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، واعتداءات يومية على القدس واقتحامات للاقصى وتدنيس المقدسات الاسلامية والمسيحية، وترويع الفلسطينيين.
ان قرار الحكومة بشراء الغاز من العدو يشكل اختراقا صهيونيا للاردن وخطوة على طريق اندماج الاقتصاد الصهيوني بالمنطقة، وهي جزء من المشروع الامبريالي الصهيوني الهادف الى اقامة شرق اوسط جديد. ويشير التقرير الذي اعده سيمون اندرسون مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن وديفد شينكر مدير برنامج السياسة العربية في المعهد ان قيمة الاتفاقية ستكون15 مليار دولار لمدة 15 عام . ( والاكثر ترجييحا وان القيمة الفعلية وفق الاسعار الحالية للغاز الطبيعي حوالي 8 مليار دولار فقط). وستقوم الحكومة الاردنية بانشاء خط انابيب على حسابها الخاص. من حقل ” ليفياثان” والذي لن يبدأ تشغيله حتى عام 2017 .
اما التبريرات السخيفة التي تطرحها الحكومة لتمرير مشروع الغزو الاقتصادي الصهيوني للاردن. والتوجه نحو اسوأ الخيارات لمواجهة ازمة الطاقة يفقد الحكومة اهليتها السياسية، فالقول ان زيت الوقود المستخدم في الاردن لتوليد الطاقة عال التكاليف صحيح. لكن من يتحمل مسؤولية عدم تنويع مصادر الطاقة، في بلد يعتمد على الغاز والنفط بنسبة 98% في توليد الطاقة. ومن يتحمل فشل وتقاعص الحكومات في استثمار الموارد الوطنية، بما فيها الحكومة الحالية التي تتولى المسؤولية منذ عامين. فالاردن يتمتع بمصادر محلية غنية لتوليد الطاقة وابرزها الصخر الزيتي، والطاقة المتجددة من الشمس والرياح.
ومن المعروف ان الحكومة الاردنية تلقت عرضا من الشركة الاستونية لتوليد الطاقة منذ ثماني سنوات، وعلى الرغم من الضجيج الاعلامي الا ان المشروع لم يرى النور بعد. من يتحمل مسؤولية حرمان الاردن استثمار ثرواته الوطنية، ليبقي الاقتصاد الوطني ضعيفا عاجزا عن الاعتماد على الذات، والارتماء باحضان العدو الصهيوني، والابقاء على قراره السياسي رهينة للاعداء. ان حكومات عاجزة عن ادارة موارد الدولة عليها ان تفتح الطريق امام من يستحق تحمل شرف المسؤولية، ان المسؤولية الوطنية تقتضي تنويع مصادر الطاقة والتحرك بشكل سريع لتحقيق هذا الهدف الوطني الذي طال انتظاره باتخاذ الخطوات التالية :
1- الاعتماد بالدرجة الاولى على الصخر الزيتي في توليد الكهرباء لتأمين احتياجات البلاد من الطاقة، ويعتبر توليد الكهرباء من الصخر الزيتي من افضل الحلول للاردن استنادا لشهادات خبراء الطاقة وفي مقدمتهم د.عبد الحي زلوم مستشار بارز لشؤون البترول منذ أكثر من 45 سنة و د. ممدوح سلامة الخبير العالمي في شؤون النفط والطاقة، ومستشارا لدى البنك الدولي لشؤون النفط والطاقة، وخبيرا فنيا لدى منظمة الأمم المتحدة للتطوير الصناعي في فينا. وقد التقيتهم بمناسبتين مع ثلة من الاصدقاء لبحث مشكلة الطاقة في الاردن، و اكدوا على اهمية حل مشكلة الطاقة عن طريق الصخر الزيتي، وقد اطلع سلامة رئيس الوزراء على وجهة نظره حول كيفية حل مشكلة الطاقة في الاردن.
ويمكن التعرف على مزايا انتاج الطاقة من الصخر الزيتي من خلال الاتفاقية التي وقعت اخيرا مع الشركة الاستونية، فبعد ثماني سنوات من الانتظار وقعت الحكومة الاردنية في الاول من تشرين الاول من العام الحالي 2014 اتفاقية توليد الكهرباء من الصخر الزيتي عن طريق الحرق المباشر باستطاعة 470 ميغاواط وهي سدس استهلاك المملكة من الكهرباء حاليا، ويسهم المشروع في تخفيض كلفة استيراد الطاقة بحوالي 350 مليون دينار اردني سنويا، اي تخفيض ثلث العجز السنوي للشركة الوطنية للكهرباء، عدا عن توفير فرص عمل للعمالة الاردنية واستقطاب التكنولوجيا الحديثة وسينتج المشروع في المرحلة الثانية النفط السائل ومشتقاته. وعند اتمام المشروع بحلول عام 2018 ستكون هذه المحطة احدى أكبر محطات الكهرباء في المملكة واكبر محطة باستخدام الصخر الزيتي في العالم بعد محطة توليد الطاقة الموجودة في استونيا.
وتكمن اهمية المشروع كونه يعتمد على مصادر محلية للوقود، وهي خطوة باتجاه الاكتفاء الذاتي في توفير الطاقة، علما ان الاردن يستورد حوالي 96 % من احتياجاته من الطاقة سنويا بتكلفة تزيد عن خمس الناتج المحلي الإجمالي. على الرغم ان الاردن يمتلك حوالي 70 مليار طن من احتياطي الصخر الزيتي، ما يجعله رابع أكبر مركز للصخر الزيتي في العالم، وفقا لمعلومات سلطة المصادر الطبيعية. والمشروع سوف يحقق ايرادات للخزينة بدفع الشركة الاستونية رسوم اتاوة بقيمة 1.5 دينار عن كل طن من الصخر الزيتي .
ويسهم المشروع بتخفيض كلفة انتاج الطاقة، وتخفيض تعرفة الكهرباء، ويضمن حماية للصناعة الوطنية والمستهلك الاردني من اثار ارتفاع النفط عالميا. ويخفض العجز التجاري، وعجز ميزان المدفوعات، ويعزز احتياطيات البلاد من العملات الاجنبية. كما يوفر فرص عمل لحوالي 3 الاف عامل خلال فترة الإنشاء، وحوالي 600 – 700 فرصة عمل بعد التشغيل، يفترض انها من العمالة المحلية. ووفقا للمعلومات الرسمية ان المشروع يراعي الابعاد البيئية ومتوافق مع متطلبات المعايير الدولية.
2- تنويع مصادر استيراد الغاز المسال من الخارج. وعلى الرغم من التأخير غير المبرر في انشاء ميناء الغاز المسال الا انه من المتوقع الانتهاء من انشاءه في بداية العام القادم ليكون جاهزاً لاستقبال الباخرة العائمة التي سيتم ربطها بالميناء بإنشاء رصيف استقبال لبواخر الغاز وانشاء اذرع التفريغ وتوفير التسهيلات الشاطئية من خطوط نقل الغاز ومحطات التحكم لتأمين امدادات الغاز من مصادر مختلفة، مما يخفض كلفة انتاج الكهرباء بشكل كبير بسبب استخدام الغاز المسال بدلا من زيت الوقود عالي التكاليف، وينهي مشكلة خسارة الشركة الوطنية للكهرباء.
3- التوسع في استغلال الطاقة المتجددة، من طاقة الرياح والطاقة الشمسية ومعالجة المعيقات البروقراطية، وتشجيع المستثمرين بالاستفادة من الامكانيات المتاحة في هذا المجال .
وبانجاز المشاريع المذكورة اعلاه سواء بالتوسع في توليد الكهرباء بواسطة الصخر الزيتي او انشاء ميناء استقبال الغاز المسال من اي مصدر متاح عالميا باستثناء العدو الصهيوني، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة تكون البلاد قد تجاوزت اهم معضلة في معالجة مشكلة الطاقة وبدون اعباء سياسية واقتصادية ثقيلة. وبدون ربط استراتيجي لانتاج الكهرباء مع العدو، وهو ربط لمستقبل الاقتصاد الوطني بالمشروع الصهيوني، لنذكر بممارسات قوات الاحتلال بالتحكم في كهرباء قطاع غزة، ومعاقبة الشعب الفلسطيني على مواقفه من الاحتلال وخياراته السياسية بالانقطاعات المتصلة.
اما عجز شركة الكهرباء الوطنية والذي بلغ حوالي مليار دينار في عام 2013 واصبح ذريعة لتبرير ارتفاع المديونية بما لا يقل عن مليارين دينار سنويا بعد المنح الخارجية التي تتلقاها الخزينة. فقد عوضت الحكومة قيمة عجز فاتورة الكهرباء من جيوب المواطنين بزيادة الضرائب غير المباشرة. فقد حصدت الحكومةعام 2013 حوالي 750 مليون دينار بسبب رفع اسعار المشتقات النفطية وزيادة الضرائب على الاجهزة الخلوية والملابس. (بعد ان صرفت 193 مليون دينار بدل الدعم النقدي للمواطنين). ولم يجر تخفيض عجز الموازنة. ومن المنتظر ان تتجاوز التحصيلات الضريبية الاضافية مليار دينار العام الحالي 2014 ، بسبب زيادة الرسوم على مجموعة من السلع والخدمات بقيمة 259 مليون دينار، وهي 90 مليون دينار زيادة الرسوم على السجائر.و 30 مليون دينار رفع الرسوم على تصاريح العمل و 29 مليون دينار زيادة التأشيرات” الفيزا” و 20 مليون دينار زيادة رسوم الإقامة والغرامات و 5 ملايين دينار من الرسوم القنصلية الجديدة و 10 ملاين دينار زيادة رسوم التخزين في المناطق الاقتصادية الخاصة و 5 ملايين دينار زيادة الرسوم على الشاحنات العابرة للحدود و70 مليون دينار زيادة الرسوم على حزمة من السلع المستوردة. وبذلك تكون الايرادات الضريبية الاضافية غطت قيمة عجز فاتورة الكهرباء. اما عجز الموازنة المزمن ينبغي بحثه في موضوع خاص بالتدقيق في النفقات الحكومية وليس بفاتورة الكهرباء.