كبار الخبراء.. والركود الاقتصادي

تتواصل اجتماعات خبراء الاقتصاد في العالم للبحث عن سبل الخروج من حالة الركود الاقتصادي، على الرغم من مرور ست سنوات على الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، فقد عُقد اجتماع جديد لكبار خبراء الاقتصاد الخميس الماضي في واشنطن لبحث مواجهة استمرار الركود في ظل مناخ مضطرب، وأزمات جيوسياسية في أوكرانيا وسوريا والعراق ومخاطر صحيّة جراء فيروس إيبولا، التي تسهم في إعاقة النمو الاقتصادي العالمي. وقد حذّرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد “أنّ الاقتصاد العالمي يواجه فترة طويلة من النمو الضعيف مع ارتفاع معدلات البطالة وتزايد التفاوت الاجتماعي”. وقد قلص الصندوق الدولي من جديد توقعاته بشأن آفاق نمو الاقتصاد العالمي، لتصبح 3.3% خلال العام الجاري.

وتعاني اقتصادات الدول الأوروبية حالات تتراوح بين الركود والانكماش الاقتصادي, فقد خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو إلى 0.8% للعام الحالي، وقد أظهرت أرقام رسمية نشرت الخميس الماضي أنّ الصادرات الألمانية هبطت 5.8% في أغسطس مسجلة أكبر هبوط منذ ذروة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في يناير 2009 لتعكس حالة تعثر أكبر اقتصاد في أوروبا. وأشار الصندوق إلى أنّ تعافي دول العالم من الأزمة المالية التي وقعت قبل سنوات يمضي بوتيرة ضعيفة وعلى نحو متفاوت. وفي وقت سابق، أثارت أرقام رسميّة نُشرت في ألمانيا وأفادت بتراجع الناتج الاقتصادي للبلاد مخاوف من سقوط الاقتصاد الألماني في هوة الركود. واضح أنّ الاقتصاد العالمي لم يدخل مرحلة التعافي أو الانتعاش، مرحلة ما بعد الانكماش والركود.

ومن جهة أخرى هبطت الأسهم الأوروبية الخميس الماضي إلى مستوى منخفض مع تراجع التأثير الإيجابي لاحتمال استمرار التيسير النقدي في الولايات المتحدة أمام مخاوف أثارتها توقعات اقتصادية قاتمة في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. كما أغلقت الأسهم الأمريكية على هبوط حاد مساء الخميس، مع استمرار المخاوف بشأن قوة الاقتصاد العالمي وتأثير ذلك على أرباح الشركات. وأنهى مؤشر داو جونز الصناعي جلسة التداول بانخفاض يعادل 1.97%، وهبط مؤشر ستاندرد اند بورز بنسبة 2.07%، وهوى مؤشر ناسداك المجمع الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا 90.26 نقطة أو 2.02%، ليغلق عند 4378.34 نقطة.

وفي بريطانيا برزت مشكلة الديون المتعثرة، وتشير التقديرات إلى أنّ حوالي 2.9 مليون شخص في بريطانيا يعانون من الديون المتعثرة، وقد حذرت مؤسسة “ستب تشينج” الخيرية البريطانية من أنّ مشكلة تفاقم الديون الشخصية تكلف الاقتصاد البريطاني ثمانية مليارات جنيه إسترليني سنويًا جراء العبء على الخدمات الحكوميّة. وقالت “ستب تشينج”، التي تقدم نصائح لنحو نصف مليون شخص يعانون من مصاعب مالية كل عام، إنّ المعاناة من مشاكل السكن وفقدان الوظائف جراء الضغوط تشكل الجزء الأكبر من هذا الرقم.

إن نجاح الرأسمالية بالتكيف مع المستجدات والأزمات التي واجهتها خلال القرن الماضي، لا يعني بحال من الأحوال أن الرأسمالية انتصرت على أزماتها، فالرأسمالية تحمل في طياتها بذور أزماتها، هذا ما أكده كارل ماركس في كتابه الشهير رأس المال، الذي قدمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي احتفت به مجلات عالمية هامة كتقدير لما تضمنه من تحليل عميق لتطور الرأسمالية، ورؤيته العلمية للأزمة الاقتصادية ومراحلها، والتي وصفها بأنها تسير “من أزمة إلى أزمة”، لقد كشف بوضوح أنّ الرأسمالية تتعرض لأزمات دورية ومتعاقبة. وأن النتائج تصبح بدورها أسبابا، ومراحل العملية المتعاقبة تجدد شروطها الخاصة وتأخذ شكلا دوريا. وما يجري في هذه الأيام إلا دليل ساطع على صحة هذا التحليل الذي حافظ على جوهره. وقد شكل تطور اقتصادات الدول الناشئة سببا إضافيا لتفاقم الأزمة العالمية، التي أصبحت منافسا رئيسيا للمراكز الرأسمالية، بدلا من أن تكون وسيلة لامتصاص الأزمة قبل تحررها من التبعية الاجنبية. فقد أصبح الاقتصاد الصيني يشكل ضعف الاقتصاد الياباني وينافس على المركز الأول في العالم، واقتصادات البرازيل والهند تجاوزتا عددا من الدول الصناعية المتقدمة في العالم وتعتبر مع الصين وروسيا وجنوب إفريقيا قاطرة الاقتصاد العالمي وهي تشكل أكبر تجمع اقتصادي في العالم، وتحقق أعلى معدلات النمو.

وعلى الرغم من الأزمة المالية والاقتصادية العالمية التي خلفت البطالة والفقر والإملاق للطبقة العاملة وشعوب البلدان النامية، إلا أن معدل أغنى الأغنياء في العالم في تزايد مستمر. فقد أوضح تقرير نُشر بموقع CNBC المعني بالشؤون الاقتصادية، أن أحدث الإحصائيات أثبتت أنّ هناك 155 مليارديرًا جديدا عام 2014، مما رفع إجمالي العدد إلى مستوى قياسي بلغ نحو 2.325 ملياردير أي بزيادة 7% مقارنة مع عام 2013. وازدادت ثروات أغنياء العالم – طبقا للتقرير- لتصل إلى 7.3 تريليون دولار أي أعلى من القيمة السوقية المجمعة لجميع الشركات التي تشكل مؤشر داو جونز الصناعي، وهو المؤشر الصناعي لأكبر 30 شركة صناعية أمريكية في بورصة نيويورك. إن تمركز الثروة بأيدي حفنة من الأثرياء واتساع الفجوة بين الطبقات سبب رئيسي للأزمة الاقتصادية العالمية.