لا لربط الاقتصادات العربية باقتصاد العدو

لم يكن توقيع اتفاقيات الإذعان- كامب ديفد، اوسلو، وادي عربة- بين العدو الصهيوني وكل من مصر والسلطة الفلسطينية والأردن، حالة إنهاء حرب ناجمة عن استعادة الأراضي المحتلة، غني عن القول أنّ الجزء الأهم من المناطق العربية التي احتلت عام 1967 ما زالت تحت نير الاحتلال، ليس هذا فحسب بل تمكن العدو الصهيوني من تهويد معظم أراضي القدس والضفة الغربية، ويواصل قضم الأراضي الفلسطينية وإقامة المستوطنات، ناهيك عن الاعتداءات المتكررة التي شنها على قطاع غزة وآخرها حرب الإبادة في ظل ما يسمى اتفاقيات الصلح المبرمة مع العدو الصهيوني. وبينما كانت “إسرائيل” تشن حربها القذرة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، كانت وفود عربية رسمية من الأردن ومصر تفاوض العدو الصهيوني على شراء الغاز -المسروق من فلسطين- فقد نشرت وكالات الأنباء إعلان الحكومة الأردنية بالتوقيع على رسالة النوايا بشراء الغاز من الكيان الصهيوني بقيمة 15 مليار دولار لمدة 15 عامًا. وسبق هذا الاتفاق، اتفاقية مشابهة مع الحكومة المصرية، فقد كشفت تقارير صحفية أنّ مصر وإسرائيل يتفاوضون لإتمام صفقة بقيمة 60 مليار دولار لبيع الغاز الإسرائيلي إلى مصر.

ويشير التقرير الذي أعده سيمون اندرسون مدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن وديفد شينكر مدير برنامج السياسة العربية في المعهد أنّ الاتفاقية الموقعة بين الأردن و”إسرائيل” بقيمة 15 مليار دولار. قيمتها الفعلية وفق الأسعار الحالية للغاز الطبيعي حوالي 8 مليارات دولار. وأنّ الحكومتين المصرية والأردنية ملتزمتين بتمديد أنابيب لنقل الغاز على حسابهما الخاص.

قبل الدخول في المبررات التي تسوقها الحكومات العربية لتمرير قرارها بالتوقيع على رسالة النوايا المتعلقة بشراء الغاز من الكيان الصهيوني. أعبر عن شجبي واستنكاري لهذا التوجه المشين الذي يمنح الكيان الصهيوني شرعية الاستيلاء على غاز فلسطين، وشرعية كيانه القائم على احتلال الأراضي العربية الفلسطينية، ومواصلة جرائمه التي كان آخرها حرب الإبادة التي شنها على شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة.
إنّ الربط الاستراتيجي لإنتاج الكهرباء في أكثر من دولة عربية مع “إسرائيل”، هو ربط مستقبل الاقتصاد الوطني في هذه البلدان بالمشروع الصهيوني، لنذكر أصحاب الذاكرة الضعيفة بتحكم “إسرائيل” في كهرباء قطاع غزة، والانقطاعات المتصلة عقابًا للشعب الفلسطيني على خياراته السياسية. فالالتزام بالاتفاقيات المعلنة مع العدو ستعرض القرار السياسي والاقتصادي لهذه البلدان للتهديد والابتزاز الصهيوني. عدا عن كون ذلك مكافأة للعدو على عدوانه المتواصل على الشعب الفلسطيني، وهو ما زال يحتل أراض عربية (فلسطينية وسورية وأردنية ولبنانية) كما يحقق هدفًا صهيونيًا باختراق الوطن العربي والاندماج باقتصادات المنطقة وهي خطوة على طريق المشروع الأمبريالي الصهيوني “شرق أوسط جديد”، فما زالت أمريكا تسعى لتحقيقه، مشروع قديم طرحه المستشرق البريطاني الأصل “برنارد لويس” في سبعينيات القرن الماضي. وتبناه المحافظون الجدد في أمريكا. فاعتقدت كونداليزا رايز أنّ المشروع قد يرى النور، وأنه سيولد من رحم الحرب العدوانية التي شنتها “إسرائيل” على المقاومة اللبنانية عام 2006. ويتضمن إلغاء الهوية العربية، والتعامل مع دويلات متهالكة أثنية مذهبية، وتتولى الدولة العبرية القوية اقتصاديًا وعسكريًا قيادة المنطقة مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، وإسقاط فكرة المشروع الحضاري العربي الوحدوي من أذهان الأجيال العربية. وما يعنيه ذلك من إسقاط مبدأ تحرير فلسطين.

أمّا التبريرات التي تسوقها الحكومات العربية لتمرير مشروع الغزو الاقتصادي الصهيوني على الوطن العربي سخيفة، على سبيل المثال أعلن مصدر حكومى أردنى إنّ الشركة الوطنية لإنتاج الكهرباء وهي مملوكة للحكومة، مضطرة لاستيراد الغاز من “إسرائيل” بعد تحمّلها خسائر كبيرة نتيجة انقطاع إمدادات الغاز المصري عن المملكة. لقد اختارت الحكومة الأردنية اسوأ الخيارات لمواجهة أزمة الطاقة، فالقول إنّ زيت الوقود المستخدم في الأردن لتوليد الطاقة عالي التكاليف.. هذا صحيح ولكن من يتحمل مسؤولية عدم تنوع مصادر الطاقة، في بلد يعتمد على الغاز أو النفط بنسبة تصل إلى حوالي 98% في توليد الطاقة. من يتحمّل مسؤولية عدم استثمار موارد البلاد. ويتمتع الأردن بمصادر محلية غنية لتوليد الطاقة وأبرزها الصخر الزيتي، والطاقة المتجددة من الشمس والرياح. وقد تلقت الأردن عرضًا منذ ثماني سنوات من الشركة الإستونية لتوليد الطاقة، وعلى الرغم من الضجيج الإعلامي إلا أنّ المشروع لم ير النور بعد. سؤال جوهري إذا كانت لنا مصادرنا الوطنية لماذا الإصرار على رهن اقتصادنا بأيدي الأعداء! هل هناك مخطط لحرمان الأردن من استثمار ثرواته الوطنية، ليبقى اقتصاده ضعيفًا عاجزًا عن الاعتماد على الذات، وقراره السياسي رهينة لدى الأعداء. وهل الحكومات التي فشلت في إدارة الموارد الوطنية متواطئة مع هذا المخطط؟ أسئلة تحتاج إلى إجابات، أمّا الحكومات العاجزة عن إدارة موارد الدولة فعليها أن تفتح الطريق أمام من يستحقون تحمّل شرف المسؤولية.