احتلتْ الدول النامية موقعاً متقدماً في الاقتصاد العالمي؛ فقد أصبح اقتصاد ثلاث دول نامية “البرازيل والصين والهند” يُناهز اقتصاد مجموع الدول الصناعية الست: “ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وكندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية”، وفقا لتقرير التنمية البشرية لعام 2013؛ مما أحدث تغييرا جوهريا في موازين القوى الاقتصادية؛ ففي العام 1950 كانتْ حصة البلدان الثلاثة لا تتجاوز الـ10% من الاقتصاد العالمي. بينما كانت الدول الستة المذكورة تستأثر بنصف الاقتصاد العالمي؛ مما يُفسر عن بعض المظاهر التي نشهدها في هذه المرحلة.. ومنها:
– أولا: استمرار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في المراكز الرأسمالية، وفشل الإجراءات التي اتبعت لانتشال الاقتصاد الرأسمالي من أزمته، وأن الحديث عن تعافي الاقتصاد الأمريكي بين الحين والآخر ليس دقيقا، فقد فشلت توقعات خبراء الاقتصاد الرأسمالي بتحسن معدلات النمو الاقتصادي في المراكز الرأسمالية أو حتى الاقتراب من النمو الحقيقي، وأن ظهور تحسن طفيف في النمو الاقتصادي الأمريكي أحيانا مردُّه التحفيز الاقتصادي عالي التكاليف. فلا يزال مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) يحافظ على أسعار الفائدة قرب الصفر. كما أن الدَّين العام للحكومة المركزية تجاوز قيمة الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي. أما اقتصادات دول منطقة اليورو، فهي بائسة وباعترافهم؛ فالتوقعات المتفائلة تتحدَّث عن نمو نسبة 0.9%، علما بأن بعض دول المجموعة تعاني من حالة الركود الاقتصادي، وفقا لتوقعات المفوضية الأوروبية، وكان يُفترض أن ينمو الاقتصاد الإيطالي بنسبة 0.6% العام الحالي، وترجح المفوضية أن ينكمش بنحو 0.2%، ونفس التوقعات بالنسبة لليونان.
ويعاني عدد من دول المجموعة من ارتفاع معدلات البطالة، وقد حذَّر البنك الدولي من أزمة وظائف، ووفقا للتقرير الذي وضع بالتعاون مع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فإن أكثر من 100 مليون شخص عاطلون عن العمل في دول مجموعة العشرين وهي الدول الأكثر تطورًا اقتصاديا.
وهنا يُمكن مُلاحظة أثر تطور اقتصادات مجموعة من البلدان النامية على المراكز الرأسمالية؛ فبدلا من أن تكون أسواق هذه الدول أحد أسباب امتصاص الأزمة الرأسمالية -كما كان سابقا- أصبحتْ من أهم أسباب تعمُّقها؛ فقد تحولت من دول مستهلكة للمنتجات المستوردة من الدول المتقدمة، إلى دول منافسة للدول المتقدمة. على سبيل المثال: شكَّلت الصادرات الصينية لأمريكا أكثر من ثلاثة أضعاف وارداتها؛ حيث بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة الأمريكية مع الصين 318.4 مليار دولار، في حين بلغت صادرات الصين إلى أمريكا 440.4 مليار دولار، في حين بلغت الواردات 122 مليار دولار في العام 2013.
– ثانيا: نظراً لعدم إمكانية شنِّ حرب كونية على الدول الناشئة -كما حصل في الحربين الأولى والثانية- لضمان هيمنة الدول الست على السوق العالمي برزتْ نزعات فاشية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، باحتلال العراق وتقسيم السودان وتدمير سوريا وليبيا، ودفعتْ بتيارات “إسلامية” مُتطرفة تعيثُ في الأرض فسادا، لتكون مبرِّرا للتدخل في المنطقة العربية، ليس بهدف مواجهة الحركات الإرهابية بقدر ما هو احتلال للمنطقة ومحاولة تصفية المقاومة العربية؛ باعتبارها حركات إرهابية من وجهة نظر أمريكية، وجعل المنطقة العربية منطقة نفوذ أمريكي في مواجهة الصراع الدائر بين أمريكا وروسيا، والإبقاء على اقتصادات المنطقة ضمن نفوذ الاحتكارات الرأسمالية.
وقد جاء إجهاض الثورات الشعبية ضد الأنظمة الديكتاتورية ضمن هذا التوجه؛ خشية من فك تبعية البلدان العربية بالاحتكارات الرأسمالية، والانضمام إلى مجموعة الاقتصادات الناشئة؛ مما يُساهم في إضعاف اقتصادات الدول الصناعية، باعتقادي أن الإدارة الأمريكية كانت أمام خيارين؛ الأول: عدم التدخل وإطلاق العنان للثورات الشعبية في الوصول إلى أهدافها الديمقراطية والاجتماعية التي سوف تهدد مصالح الاحتكارات الرأسمالية، ومصالح البرجوازية الطفيلية ووكلاء الشركات الأجنبية “الكمبرادور” في المنطقة العربية، وأما دعم التيار الليبرالي الذي يضمن استمرار النهج الاقتصادي الذي كان سائدا في عهد النظم الديكتاتورية، وإدخال المنطقة في صراعات مذهبية، بتشجيع الحركات “الإسلامية” المتطرفة في الوطن العربي لتحتل حيزا مهمًّا في الفضاء السياسي العربي. وإدخال المنطقة بحروب أهلية ومذهبية تستهدف تفتيت وتفكيك الوطن العربي تمهيدا لإعلان شرق أوسط جديد، أو سايكس بيكو جديد، كان واضحا أنها مع الخيار الثاني. فقد نجحت السياسات الأمريكية بدفع الوطن العربي نحو ما يسمى بـ”الفوضى الخلاقة”.
وما نشهده في هذه الأيام من إقامة أوسع تحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو لمواجهة الحركات المتطرفة، مُستفيدين من الجرائم البشعة التي ارتكبتها الحركات “الإسلامية” المتطرفة بحق المواطنين في سوريا والعراق من قتل الأبرياء وقطع الرؤوس والجلد وسبي النساء؛ فالخطوة الأمريكية ليست بريئة وهي تحمل في طياتها مواصلة المشروع الأمريكي الذي بدأ بإجهاض الثورات الشعبية في الوطن العربي وحرفها عن مصادرها؛ فالتدخل الجديد يستهدف تقسيم العراق وسوريا وتصفية المقاومة وإعادة تشكيل الأقطار العربية وفق مصالح الاحتكارات الرأسمالية، وتدمير ما تبقى من البنية الأساسية في الدول التي كانت مُؤهلة لمواجهة المشروع الصهيوني. وتأكيدا لذلك الإعلان عن تشكيل هذا التحالف خارج إطار الأمم المتحدة، وبقرار من حلف الناتو، واستبعاد كل من روسيا وإيران وسوريا في التحالف.