فشل العُدوان.. وانتصرتْ غزَّة

بَعْد واحد وخمسين يومًا من الحرب الإجرامية التي شنتها قوات الاحتلال الصهيوني على غزة، احتفل الغزاويون خاصَّة، والفلسطينيون عامة، ومعهم أحرار العرب والعالم بالهزيمة النكراء التي لحقت بالفاشيين الجدد في “إسرائيل”. قد يتساءل البعض عن أي انتصار تتحدثون، نتحدَّث عن فشل المشروع الصهيوني بتصفية المقاومة الفلسطينية، فشله في قتل روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، فشله بتجريد المقاومة من سلاحها، فشله في المراهنة على تمزيق الوحدة الوطنية، والعودة إلى الانقسام، فشله بفرض سياسة الأمر الواقع على غزة كما هي الحال في رام الله، فشله في تنفيذ أهم حلقة من حلقات تصفية القضية الفلسطينية، فشله في تحريض الرأي العام الفلسطيني في قطاع غزة ضد المقاومة بسبب النهج اللا أخلاقي الذي اتبعته قوات الاحتلال الصهيوني بقتل الأطفال وهدم المنازل على رؤوس المواطنين الفلسطينيين، انتقاما وتحريضا.

صحيح أنَّ الشعب الفلسطيني دفع ثمنا غاليا -شهداءً وجرحى وتدميرًا وتشريدًا- لكن تلك التضحيات لن تذهب هدرا، بل على العكس من ذلك راكمت على نضالات الشعب الفلسطيني منذ بداية القرن الماضي، وهي من أبرز محطات النضال الوطني، لقد سجل الشعب الفلسطيني كعادته أروع الصور في صموده وتضحياته واحتضانه للمقاومة، ورفد المقاومة بأغلى ما يملك من خِيْرة أبنائه، الذين شكلوا بأجسادهم سلسلة فولاذية صلبة على تخوم قطاع غزة، وسدًّا منيعا لحماية ما تبقى من أرض فلسطين من دنس جنود الاحتلال المسخرين لخدمة الاحتكارات الرأسمالية متعددة الجنسيات. صَمَدتْ المقاومة في وجه أعتى وأشرس جيوش الشرق الأوسط، ومنعت جحافل الاحتلال من دخول غزة، وبقيتْ محافظة على قدرتها القتالية حتى الدقيقة الأخيرة من وقف إطلاق النار.

ومن الصعب اختزال بطولات وتضحيات ومعاناة الشعب الفلسطيني في معركته التاريخية في مقال؛ فقد كشفت الحرب عن دُروس وعِبَر لا يمكن حصرها؛ أبرزها: الصمود الأسطوري الذي سجله الشعب الفلسطيني في معركة الصمود والتحدي، والعطاء الفلسطيني غير المحدود للوطن. تابعتْ الشعوب العربية والصديقة -على شاشات الفضائيات- تحدِّي النساء والأطفال -قبل الرجال- للقصف والتدمير اليومي لقطاع غزة، ووقوفهم فوق ركام منازلهم معبِّرين عن اعتزازهم بالمقاومة غير آبهين بما فعلته الأيدي القذرة لجنرالات الحرب في منازلهم وأطفالهم وأسرهم، مُتعطشين لانتصار وطني طال انتظاره، بعد نكبات ونكسات سجلها النظام العربي المهزوم.

… معركة غزة واحدة من الصور الناصعة في تاريخ الأمة لتنضم إلى معارك مشرفة خاضتها الأمة العربية ضد المحتلين الصهاينة وأبرزها: “معركة الكرامة في عام 1968، وحرب الاستنزاف على جبهة قناة السويس 1969-1970، وحرب تشرين المجيدة، وحروب لبنان في مواجهة الاجتياح وتحرير الجنوب اللبناني، وحرب المقاومة اللبنانية 2006”.

ومن الدروس التي ينبغي استخلاصها من حرب غزة: لا عودة للانقسام الفلسطيني، ومن يسعى لذلك ترقى تهمته لدرجة الخيانة الوطنية، ولا مفاوضات عبثية، والتوجه فورا للأمم المتحدة ومؤسساتها، واتخاذ الخطوات اللازمة لوضعها أمام مسؤولياتها تجاه الحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني، والسعي لعقد مؤتمر دولي لوضع العالم أمام مسؤولياته تجاه حقوق الشعب التي أقرتها الشرعية الدولية، كما حان الوقت لاستكمال خطوات توحيد المؤسسات الفلسطينية، واستكمال الاستحقاقات الديمقراطية بانتخاب رئيس جديد للسلطة، وانتخاب المؤسسات الوطنية والتشريعية، وتفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية، وتعبئة الشعب الفلسطيني لمواصلة نضاله من أجل تحرير الأرض الفلسطينية، باستخدام كافة الوسائل والسبل النضالية المتاحة لإرغام العدو الصهيوني على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية وطرد المستوطنين وهدم جدار الفصل العنصري.

أما على الصعيد العربي والدولي، فينبغي إقامة أوثق العلاقات مع الشعوب العربية والإسلامية والصديقة، بعيدا عن الحساسيات والصراعات الداخلية للأنظمة؛ بهدف استقطاب أوسع الفئات الاجتماعية والسياسية الشعبية والرسمية لدعم نضال الشعب الفلسطيني في معركته ضد الاحتلال؛ باعتبار أنَّ الشعب الفلسطيني -ممثلا بمختلف فصائله- يخوض معركة تحرر وطني؛ الأمر الذي يتطلب استثمارَ العلاقات الثنائية بين الفصائل وامتداداتها الإقليمية والدولية لصالح النضال الوطني الفلسطيني لتأمين أوسع دعم للقضية الفلسطينية. وغنيٌّ عن التذكير أن القضية الفلسطينية تمر بأخطر منعطف في تاريخها، وأن المعركة التي خاضها الشعب الفلسطيني أفشلت أهم حلقة من حلقات تصفية القضية الفلسطينية، خاصة بعد اختلال موازين القوى في المنطقة العربية لصالح العدو الصهيوني، وفي ظل تدمير سوريا والعراق وإدخال الوطن العربي في حروب مذهبية وطائفية كريهة بهدف تفتيته وتدميره.

نحن على ثقة بقدرات وطاقات الشعب الفلسطيني اللا محدودة والتي شاهدنا إحدى صورها في المعركة الأخيرة، قادرة على التصدي لمحاولات الأعداء ليس لإحباط “مشروع تصفية القضية الفلسطينية” فحسب، بل وتحويل المعركة إلى خطوة مهمة نحو التحرير. آخذين بعين الاعتبار أن محاولات الإمبريالية والصهيونية لن تتوقف عن مواصلة اعتداءاتها على الشعب الفلسطيني، واستخدام أساليب جديدة للدس والوقيعة ومحاولة زعزعة الصف الفلسطيني، وجر الفلسطينيين لصراعات جانبية، لتحقيق ما فشلت في تحقيقه في المعركة العسكرية.