نهج جديد وسياسة اقتصادية جديدة

إذا كانت السياسات الليبرالية المنفلتة القائمة على تحرير أسواق المال والتجارة وفرض الضرائب غير المباشرة وإفقار المواطنين، وراء إسقاط حسني مبارك ومحمد مرسي؛ فالحكومة الانتقالية التي شكلها المستشار عدلي منصور برئاسة حازم الببلاوي ليست أوفر حظًا. أختير الببلاوي بصفته شخصية اقتصادية يتمتَّع بخبرات واسعة، وكان من أولى مهامه التصدي للأزمة الاقتصادية التي تعاني منها مصر، وعلى الرغم من الغموض الذي اكتنف إقالته، إلا أن أسباب الإقالة لم تكن لخلافات تتعلق بالنهج الاقتصادي، حيث واصلت حكومة إبراهيم محلب النهج ذاته، ولم تشهد مصر خطوات إيجابية ملحوظة في الجانب الاقتصادي خلال العام الأخير، إن لم نقل إن الأزمة تفاقمت بشكل ملموس، لعدم وجود رؤية استراتيجية واضحة لمواجهتها.
وباستثناء بعض الإجراءات المحدودة، والمرتبكة، واصلتْ الحكومة المصرية نهج الحكومات المتعاقبة في عهدي مبارك ومرسي. صحيح أن عامًا غير كاف لتقييم تجربة اقتصادية؛ سواء كانت تجربة حكومة مرسي أم حكومتي المستشار عدلي منصور، إلا أن كلا التجربتين افتقرتا إلى وجود توجه جديد، وسياسة اقتصادية مبنية على مشروع تنموي معتمد على الذات في إنتاج الغذاء والكساء والدواء، يحقق وفرة في الإنتاج الوطني، وتوزيع عادل للثروة.
ويتضَّح من المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية تفاقم الأزمة؛ فاتسعت الفجوة بين الإيرادات والنفقات العامة لموازنة الدولة، وتنامت المديونية وارتفعت معدلات البطالة، وازداد عدد الفقراء. وتسبَّبت الاضطرابات الداخلية وحالة عدم الاستقرار السياسي في تراجع الاستثمارات الأجنبية بشكل ملموس، وتعاني مصر من معدلات نمو منخفضة نسبيا، وتشير المعلومات الرسمية إلى أن معدل النمو المتوقع خلال العام المالي المقبل 3.2% -وهي نسبة ضئيلة مقارنة مع معدل النمو السكاني في مصر الذي يقدر بحوالي 2.6%- مما يضع مصر أمام تحديات كبيرة؛ أهمها مفاعيل تراجع فرص العمل، وتفاقم عجز الموازنة، فقد أعلن وزير المالية المصري أن عجز الموازنة الجديدة للسنة المالية 2014-2015 يصل حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي أي نحو 240 مليار جنية مصري (نحو 33.6 مليار دولار)، وقال الوزير: إن إجمالي الإيرادات المتوقعة في الموازنة الجديدة نحو 549 مليار جنيه، بينما تصل النفقات إلى 789 مليار جنيه، وتعوِّل الحكومة على ما تسميه بترشيد دعم الطاقة في الموازنة الجديدة لتوفير حوالي 41 مليار جنيه. وهو إجراء تقشفي مؤلم سوف يحمِّل الشعب المصري مزيدا من الأعباء المعيشية، ويعتبر استمرارا للسياسات الاقتصادية التي فرضت في العهد البائد. إضافة إلى تمويل عجز الموازنة بالقروض مما يرفع نسبة الدين العام إلى حدود غير آمنة؛ فمن المتوقع أن تقترض الحكومة المصرية حوالي 33.6 مليار دولار العام المقبل لسد عجز الموازنة؛ بزيادة قدرها 20 مليار دولار عن العام الحالي.
وتتجه الحكومة المصرية نحو إجراءات تقشفية تشمل رفع أسعار الكهرباء، وتخفيض دعم المشتقات النفطية، وفق التصريحات الرسمية، وتحميل الفئات الشعبية آثار ونتائج الأزمة الاقتصادية. إن دفع أثمان سياسات الفساد ونهب أموال الدولة ليس ظلما اجتماعيا واستغلالا طبقيا فحسب، بل إن تبعات هذه السياسات تتعدى ذلك بدفع الاقتصاد الوطني نحو الانكماش؛ حيث كلما انخفضت حصة الفقراء والشرائح الوسطى في المجتمع -سواء من خلال زيادة معدلات البطالة أو نتيجة السياسية التقشفية- يتراجع الطلب على السلع الاساسية؛ فالعلاقة جدلية بين البطالة والطلب الكلي والعرض الكلي؛ الأمر الذي يعمق الاحتقانات الاجتماعية ويشكل مناخا ملائما لانتشار التطرف وأعمال العنف والاضطرابات السياسية، خاصة في ظل التضييق على الحريات العامة.
… إنَّ ما نشهده في الوطن العربي من حالات التمزق والتفتت وتدمير الذات هو نتيجة حالات اليأس والإحباط الناجمة عن سلب أهداف الثورة الأساسية.
فمن المعروف أن أبرز أهداف الثورات الشعبية في مصر والأقطار العربية؛ هو: تحقيق العدالة الاجتماعية، وعلى الرغم من استخدام هذه المقولة في غير مكانها بهدف التضليل، إلا أن السمة العامة للمرحلة الحالية النضال من اجل فك التبعية الاقتصادية والتحرر الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية. لا بديل امام الوطن العربي سوى التخلي عن نهج التبعية وتحقيق الديمقراطية السياسية والاجتماعية. يقول الخبير الاقتصادي المصري الدكتور أحمد السيد النجار: العدالة الاجتماعية ليست ترفا اجتماعيا، أو نزقا أيديولوجيا، بل هى ضرورة للسلام الاجتماعى ولتماسك بنية المجتمع واستقراره السياسي، وأن هناك مرتكزات أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية النسبية؛ وأبرزها: تمكين المواطنين من كسب عيشهم بكرامة بتوفير فرص عمل للجميع، وتحقيق إصلاح نظام الأجور، برفع الحد الأدنى للدخل ووضع حد اقصى، وتطبيق نظام الضرائب الذى يعيد توزيع الدخل.. مؤكدا أنَّ كلما كانت الضرائب المباشرة هى الأساس فى الحصيلة الضريبية، فإن النظام الضريبى يكون أقرب للشفافية والعدالة. إضافة إلى دعم السلع الأساسية والخدمات العامة. وهو إنفاق عام من المفترض أن يوجه إلى الفقراء ومحدودى الدخل وشرائح رئيسية من الطبقة الوسطى لإتاحة الرعاية الصحية والتعليمية لهم.