قبل تناول الآثار الاقتصادية للأزمة لابد من الإشارة إلى أن المتضرر الحقيقي لما يجري في العراق، الشعب العراقي أولا والأمة العربية ثانيا، من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن قتل للأبرياء، والتهميش والإقصاء والتدخل الأجنبي في شؤون العراق، ونهب الاحتكارات الرأسمالية لثرواته النفطية، وإفقار وتشريد العراقيين، ومحاولات تمزيق الدولة.. أمّا الآثار الاقتصادية لها أبعاد إقليمية ودولية.
ألقت الأزمة العراقية بظلالها على الاقتصاد العالمي، فقد هوت أسعار الأسهم في البورصات العالمية منذ الإعلان عن احتلال المسلحين لعدد من المدن العراقية، وارتفعت أسعار النفط، وسادت أجواء من الذعر في الأسواق العالمية، خشية من استمرار الأزمة، واتساع رقعة القتال ودخول العراق في حرب أهلية تؤثر على الصادرات النفطية للأسواق العالمية، في ظل المقاطعة الإيرانية، ووقف الإمدادات النفطية الليبية، فقد واصلت أسعار النفط ارتفاعها منذ سقوط الموصل بأيدي المسلحين، قبل أن تتراجع إلى أقل من 114 دولارا للبرميل في نهاية الأسبوع الماضي، بعد إعلان المملكة العربية السعودية عن استعدادها لتعويض السوق العالمي من أي انخفاض ناجم عن الاضطرابات الجيوسياسية في المنطقة، فقد أعلن مسؤول نفطي سعودي لوكالة رويترز أنّ السعودية لها القدرة على ضخ حوالي 12.5 مليون برميل يوميا – تنتج حاليًا حوالي 9.7 مليون برميل- وأضاف المسؤول السعودي سوف نستمر في المحافظة على توازن سوق النفط الدولي. فقد أسهم التعهد السعودي بتعويض أي نقص ناجم عن تراجع الصادرات العراقية وابتعاد الأعمال القتالية عن الجنوب العراقي ومواصلة الحكومة العراقية بتصدير النفط من البصرة، بتهدئة الأسواق العالمية.
لكن المخاوف لا تنحصر بنقص الصادرات النفطية التي يمكن تعويض جزء منها وفق المعطيات المشار إليها، فالعراق ينتج 3.4 مليون برميل نفط يوميًا ويشكل إنتاج النفط حوالي 75% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن توقف العمل في بعض المواقع النفطيّة، أو بالمشاريع غير النفطية، سيؤدي إلى توقف مئات الشركات العاملة في العراق محلية وأجنبية. مما يترك آثارا سلبية على اقتصاد المنطقة والاقتصاد العالمي، في ظل حالة الضعف التي تعتري اقتصادات المراكز الرأسمالية وعجزها تخطي الأزمة. فقد سجل الاقتصاد الأمريكي خلال الربع الأول من العام الحالي أسوأ أداء له خلال السنوات الخمس الماضية، بانكماشه بمعدل 2.9 %، وجاءت تلك النتائج أسوأ من التوقعات السابقة، والتي تحدثت عن انكماش بنسبة 1% فقط، كما أظهرت الدراسات أنّ الفجوة الرئيسية ناجمة عن تراجع وتيرة الإنفاق على الرعاية الصحية، وانخفاض الإنفاق الاستهلاكي الذي يسهم بأكثر من الثلثين في نمو الاقتصاد الأمريكي. كما تراجعت الصادرات الإمريكية بنسبة 8.9%، وكانت نتائج الأشهر الأولى أضعف من التوقعات. كما أظهرت بيانات منطقة اليورو أن اقتصادها نما بنسبة ضئيلة مدفوعا بنمو الاقتصاد الألماني، وبمعدل دون المتوقع خلال الربع الأول من العام الحالي حيث بلغ 0.2%. وكان المحللون قد توقعوا نسبة نمو بمعدل 0.4% خلال الربع الأول.
وعلى الصعيد الإقليمي يعتبر الأردن من بين الدول المتضررة بسبب الاضطرابات التي تشهدها المناطق الحدودية وهيمنة المسلحين على المحافظات المجاورة للأردن، نظرا لضعف الاقتصاد الأردني وسرعة تأثره بالدول الشقيقة، ويأتي قطاع الصناعة في مقدمة القطاعات المتضررة من إغلاق الحدود، فهناك عقود والتزامات واعتمادات بنكية لمستثمرين أردنيين حيث يعتبر سوق العراق الأهم بالنسبة للصادرات الأردنية في هذه المرحلة، فقد بلغت الصادرات الوطنية الأردنية حوالي 884 مليون دينار خلال العام الماضي، إضافة إلى قطاع النقل والتخليص الذي فقد حوالي 50% من فرص العمل، وقد تسبب توقف الصادرات الأردنية للعراق في خسارة المستثمرين الأردنيين، وتعرضهم لأخطار حقيقية، خاصة وأن الاقتصاد الأردني يعاني من تراجع معدلات النمو الاقتصادي منذ عام 2009، إضافة إلى آثار الأزمة السورية على الاقتصاد الأردني وتدفق اللاجئين السوريين. أما توقف امدادات النفط العراقي للأردن فيشكل عبئا إضافيا على فاتورة النفط، حيث كان يؤمن النفط العراقي حوالي 10 إلى 15 ألف برميل يوميا، بأسعار تفضيلية أقل من 18 دولارا للبرميل من السعر العالمي، وقد توقفت واردات النفط العراقي منذ بداية العام الحالي بسبب تدهور الأوضاع الأمنية على الطريق العراقي المؤدي إلى الأردن. إضافة إلى تبخر عدد من المشاريع الواعدة بين البلدين منها مشروع تمديد أنبوب النفط ناقل النفط العراقي الخام من البصرة إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر، وتزويد الأردن بالنفط من الخط المذكور ما يوفر فرصة استخدام النفط العراقي بنسب أعلى، إضافة إلى تخفيض أجور النقل، كما يحقق دخلا للأردن مقابل مروره عبر الأراضي الأردنية وفق ما تضمنته الاتفاقية التي وقعت بين الجانبين في 9 أبريل 2013.