معجزة الاقتصاد الصيني

حافظ الاقتصاد الصيني على زخمه خلال السنوات الستة الماضية من عمر الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت المراكز الرأسمالية، ففي الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد الرأسمالي في أوروبا وأمريكا واليابان من مخاطر استمرار الأزمة، وقيادة الاقتصاد العالمي نحو المجهول، ما زال الاقتصاد الصيني يسجل معدلات نمو مرتفعة، أقلها 7.7% كما هو الحال في السنتين الأخيرتين 2012/ 2013، متجاوزا توقعات الحكومة الصينية. علما أن معدل النمو الاقتصادي العالمي 2.7%.
وأصبح الاقتصاد الصيني يشكل ضعف الاقتصاد الياباني في عام 2013. على الرغم من أنّ الاقتصاد الصيني لم يتجاوز الاقتصاد الياباني إلا عام 2010، حين احتل المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ماض بخطى ثابتة نحو تجاوز الاقتصاد الأمريكي ليتربع على قمة الاقتصاد العالمي، فقد بلغ معدل نموه التراكمي للأعوام الخمس الأخيرة 115% حيث قفز من 4.327 تريليون دولار أمريكي عام 2008 إلى 9.310 تريليون دولار أمريكي عام 2013.
بينما لم يحقق الاقتصاد الأمريكي خلال نفس الفترة سوى 16.7% من النمو التراكمي للناتج المحلي الإجمالي، فقد ازداد من 14.441 تريليون عام 2008 إلى 16.853 تريليون دولار عام 2013. وقد حقق هذا النمو المتواضع خلال السنوات الخمس الأخيرة في ظل تطبيق ما عرف بسياسة «التيسير الكمي» التي يطبقها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، سياسة التحفيز الاقتصادي، والضخ المالي الممول بالقروض الحكوميّة التي ضاعفت الديون الأمريكية خلال نفس الفترة ودفعت أمريكا نحو قمة الهرم في نادي الدول المدينة في العالم، فإذا كانت سياسة ضخ الأموال أسهمت في إنقاذ بعض الشركات العملاقة من الانهيار لكنها لم تفلح في شفاء اقتصاد مسكون في الأزمة. ويقول الخبير الاقتصادي الأمريكي ستيفن س. روتش مؤلف كتاب «انعدام التوازن» «وقع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في خطأ الاستقراء – إذ تصور أنّ علاج الصدمة لن ينقذ المريض فقط بل سوف يعزز تعافيه المستدام أيضًا. وبفعل جولتين أخريين من التيسير الكمي تمددت الموازنة العمومية لبنك الاحتياطي الفيدرالي بنحو 2.1 تريليون دولار أخرى بين أواخر عام 2009 واليوم، ولكن العائدات كانت ضئيلة من حيث القدرة على تنشيط الاقتصاد».
وقد سجلت الصادرات الصينية ارتفاعًا بنسبة 7% في مايو الماضي لتبلغ 195.470 مليار دولار، كما ارتفع الفائض التجاري إلى 36 مليار دولار أمريكي. ونجحت الحكومة الصينية بتوفير أكثر من 10 ملايين وظيفة جديدة عام 2013، كما بلغ معدل التضخم 2.6 %. في حين ما زالت اقتصادات المراكز الرأسمالية الثلاث تعيش الأزمة بمظاهرها المتعددة، من تباطوء النمو الاقتصادي إلى الانكماش، وتفاقم عجز الموازنة، ومديونية تجاوزت الحدود الآمنة، مع زيادة أعباء الأزمة على المواطنين، بارتفاع معدلات البطالة، وزيادة الضرائب، وتخفيض الأجور واتساع نسبة ضحايا الأزمة من العمال والفلاحين وصغار الموظفين والفقراء عامة، بذريعة تخفيض عجز الموازنة ووقف تدهور الأوضاع الاقتصادية.
وعلى الرغم من نمو الصادرات الصينية إلا أنّ هناك توجهًا رسميًا نحو زيادة الاعتماد على السوق الداخلي، لإشباع الحاجيات الضرورية للمجتمع المحلي، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين. فالحكومة الصينية تسعى لتحقيق إصلاحات اقتصادية ضرورية لتنشيط أداء الاقتصاد الصيني في السوق، وتجنيب الاقتصاد الصيني بعض المشاكل والصعوبات الناجمة عن استمرار الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وقد أشار الخبير الاقتصادي الصيني «يوي فنغ لوي» إلى أنّ نمو الاقتصاد الصيني يجب أن ينتقل من التحرك بالاستثمار إلى التحرك بالاستهلاك، ما يتطلب رفع مستوى دخل المواطنين على أساس إعادة توزيع خلق القيم، حيث من المتوقع أن يكون النمو الاقتصادي مستقرًا في عام 2014 على الصعيد الحكومي، كما أعرب «لي كه تشيانغ» رئيس مجلس الدولة الصيني عن اهتمامه بالإجراءات الفعّالة لتسريع الإصلاح وتعديل الهيكل، مؤكدًا أنّ الجوهر هو التعامل مع العلاقات بين الحكومة والسوق وحل مشكلة سوء أداء واجب الحكومة وغيابها.
لا شك أنّ الاقتصاد الصيني يتمتع بحيوية وديناميكيّة مكنته من تحقيق إصلاحات دائمة لمواكبة التطورات والتكيف مع المستجدات ومواجهة المفاجآت، فقد نجح بامتصاص الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، مستفيدًا من قدراته التنافسية الباهرة، ولم يتمسك بنفس النهج الذي دفع بالصين نحو قيادة النمو الاقتصادي العالمي، والقائم بشكل رئيس على التصدير والتصنيع فهو يسير نحو تطوير القطاعات الخدمية والسلع الاستهلاكية للمجتمع المحلي. لكن ما هو أهم عدم الوقوع بفخ الرأسمالية الليبرالية المتوحشة، التي قادت العالم نحو الأزمات الاقتصادية الدورية والقائمة على استغلال الإنسان للإنسان، وإشعال الحروب الإمبريالية وهلاك البشرية.
لابد من مواءمة النجاحات الاقتصادية التي أبهرت العالم، بسياسات الرفاه الاجتماعي، والعناية بالمنتجين الصينيين، ورفع مستواهم المعيشي، واستثمار المدخرات والفوائض المالية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتقديم نموذج اقتصادي اجتماعي جديد في العالم، يعزز أنسنة الإنسان، ويتصدى لتحديات العصر. جريدة الرؤية العماني