بينما كان الفريقان منشغلين بترتيبات جدول أعمال مؤتمر جنيف 2، كانت قيادة الجيش السوري تضع لمساتها الأخيرة لمعركة القلمون، كان وفد المعارضة يوجه الرسائل التطمينية لشركائه الذين قاطعوا المؤتمر، مفادها، “أن الضغوط التي أوصلتهم إلى طاولة المفاوضات، لن ترغمهم على الوصول لحل وسط مع النظام السوري”. فكلا الطرفين ذهب إلى جنيف متمسكا بمواقف مسبقة، لذلك لم يكتب للمؤتمر النجاح، فالذهاب إلى طاولة المفاوضات بين فريقين متحاربين يقتضي تقديم تنازلات مشتركة، إلا إذا كان المطلوب من أحد المؤتمرين التوقيع على صك استسلام، وهذا لا ينطبق على الحالة السورية.
واهم من اعتقد أن المعارضة كانت ذاهبة إلى جنيف لاستلام السلطة، أو أن وفد الحكومة ذهب للاتفاق مع المعارضة لمحاربة الإرهاب. فالمفاوضات تعكس موازين القوى على الأرض، لكن لكل طرف حساباته الخاصة، فإنّ مشاركة الحكومة في المؤتمر تعتبر معركة سياسية ودبلوماسية حرصت على خوضها، أما المعارضة فقد استجابت للضغوط الأمريكية، أملا منها بالحصول على دعم أمريكي يمكنها من احتلال جنوب سوريا وصولاً إلى مشارف دمشق، وإقامة منطقة عازلة بعد فشل المفاوضات.
تبخرت آمال المعارضة في تحقيق هذا الهدف بعد الكمين الذي نصبه الجيش السوري للمجموعات المسلحة في الجنوب. فالنجاح الذي حققه الجيش له دلالة كبيرة ليست عسكرية فحسب، بل وسياسية، والتي تؤشر إلى وجود حلفاء لسوريا غير منظورين ساهموا بهذه النتائج. كما إن تداعيات الأزمة القطرية السعودية أسهمت بخلط الأوراق وإرباك المعارضة، وتأجيج الخلافات بينها، وقد تمهد الطريق أمام فرصة لتسوية سلمية، تفتح آفاقا أمام الشعب السوري لخيار ديمقراطي، وتعددية سياسية.
واضح أن موازين القوى تميل لصالح الجيش السوري، لكن هذا لا يعني أن هناك حسما عسكريا قريبا على الجبهات، حتى وإن تمّ الحسم بعد حين، فإنّ العمليات الإرهابية لن تتوقف في وقت قريب، بسبب تغلغل الحركات الإرهابية، التي أصبحت تشكل خطرًا على المنطقة بأكملها، وصولاً إلى الجهات التي مولتها، وما الأزمة التي نشهدها بين دول الخليج إلا تعبيرا عن ذلك. فاعتبار الحركات الإسلامية التي ذكرها البيان السعودي حركات إرهابية، والتي تعتبر من أهم القوى القتالية على الأرض السورية، يشكل نقطة تحول في السياسة السعودية، فالإخوان لاعب رئيسي في الأزمة السورية وحليف استراتيجي للسعودية، فمن المتوقع أن تترك هذه التبدلات السياسية آثارًا سلبية على دور الحركات الإسلامية في سوريا، التي تشكل العمود الفقري للمعارضة على الأرض.
حيث تشير تقديرات رئيس الاستخبارات الأمريكية جيمس كلابر إلى أن “عدد المقاتلين في سورية يقدر بما بين 75 ألف إلى 115 ألف مقاتل، تحت مظلة 1500 مجموعة “تحمل أهدافا سياسية مختلفة”. وأعلن أنّ هناك ما بين 20 إلى 26 ألف مقاتل متشدد. وأشار إلى وجود حوالي 7500 مقاتل أجنبي من 50 دولة، من بينهم من يسعى إلى شن هجمات في أوروبا وأمريكا”.
وفي هذا السياق لوحظ تراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السورية في الآونة الأخيرة، كما اختطفت الأزمة الأوكرانية الأنظار، وعلى الرغم من الترابط بين الأزمتين إلا أن الأزمة الأوكرانية تمس المصالح الأوروبية بشكل مباشر، لذلك استحوذت على الاهتمام الدولي. إضافة إلى فتور الاهتمام الأمريكي بإنهاء الأزمة السورية، خاصة وأنّ الأزمة السورية قد لا تحقق نهايات سعيدة للمصالح الأمريكية، بسبب إفلاس حلفائها على الأرض، لذلك ترى أمريكا أن استنزاف الدولة السورية، وتدمير ما تبقى من البنية التحتية، وتفتيت النسيج الاجتماعي السوري، وإنهاء أيّ دور محوري لسوريا في الصراع العربي – الإسرائيلي يخدم السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط .
يبقى الشعب السوري وحده الذي يدفع الثمن الغالي لاستمرار الأزمة، على الرغم من الضرر الذي لحق بالدول العربية المجاورة مثل الأردن ولبنان. عشرات الألوف من السوريين بين قتلى وجرحى، وملايين المشردين في الداخل والخارج، ونصف السكان باتوا تحت خط الفقر، منهم أكثر من 4 ملايين يعانون من فقر مدقع، وبلغ معدل البطالة حوالي 48%.. وتقول لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “إسكوا”، إنّ خسائر سوريا الاقتصادية خلال السنوات الثلاث الماضية فادحة، فقد تراجع تصنيف سوريا في المؤشرات التنموية لتحتل المركز قبل الأخير عربياً وخسرت 37 عامًا من التنمية، وكل يوم إضافي في الأزمة يعني خسارة 109 ملايين دولار من الناتج المحلي الإجمالي وإن سوريا اليوم تعتبر إحدى أخطر المناطق في العالم على الأطفال وفق معلومات اليونيسيف، ويشير تقرير المنظمة الدولية إلى أن مستقبل أكثر من خمسة ملايين ونصف المليون طفل داخل سوريا ولاجئين في دول الجوار «معلق في الهواء»، منهم 1.2 مليون طفل أصبحوا لاجئين يعيشون في خيام. بينما يتسبب العنف وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتدهور الوضع الاقتصادي في تدمير جيل كامل.