تداعيات الأزمة الاوكرانية

واصلت الأزمة الاوكرانية تفاعلها بين روسيا والدول السبع الكبرى، كما واصلت الحكومة الأمريكية تهديداتها باتخاذ اجراءات عقابية ضد روسيا، معتقدة انها تملك الادوات الكافية لإرغام روسيا على التراجع، وعلى الرغم من التناغم الاميركي الاوروبي حول الأزمة، الا ان الاجراءات العقابية المنوي اتخاذها لن تثني روسيا عن موقفها في الدفاع عن مصالحها، والسبب في ذلك ان المواقف السياسية تنطلق اساسا من المصالح الاقتصادية، وان العلاقات الاقتصادية بين الدول الكبرى اصبحت متداخلة ومتشابكة بشكل كبير في ظل العولمة الرأسمالية، التي ادت الى فتح اسواق العالم امام انسياب السلع واستثمارات روؤس الاموال. روسيا اليوم ليس الاتحاد السوفيتي الذي وضع عليه ستارا حديديا من قبل الدول الغربية.
ففي السنوات الاخيرة اتسع النشاط الاستثماري الروسي في الخارج بشكل ملحوظ، وشهدت الاسواق العالمية خلال العامين الأخيرين تدفق نحو ستين مليار دولار سنويا من روسيا. ومن المعروف ان عددا من الدول الاوروبية تعتمد بشكل شبه كامل على النفط والغاز الروسي، اضافة الى اعتماد اهم الدول الاوروبية مثل ألمانيا وفرنسا وايطاليا على حوالي 30% من احتياجاتها من النفط والغاز الروسي. وحتى أمريكا ترتبط بعلاقات تجارية واسعة مع روسيا حيث بلغت قيمة التجارة بين البلدين اكثر من 38 مليار دولار عام 2013، كما أن للشركات الأميركية استثمارات مباشرة في روسيا قيمتها حوالي 14 مليار دولار. وقد تسربت معلومات للصحافة ان بريطانيا والمانيا قد لا تذهبا بعيدا بموضوع المقاطعة الاقتصادية، بل اكثر من ذلك يمكن ان تسهم المانيا بدور ما في تخفيف حدة التوتر بين أمريكا وروسيا، في محاولة للوصول الى حل وسط .
وفي المقابل حذّر مجلس الاتحاد الروسي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من اتخاذ عقوبات ضد روسيا بسبب الوضع في أوكرانيا، واكد انه سيتخذ تدابير مماثلة، وهناك تلويح بالتخلي عن الدولار كعملة احتياط، والتوقف عن دفع أي قروض إلى البنوك الأميركية إذا فرضت الولايات المتحدة عقوبات على روسيا بسبب الأزمة الاوكرانية.
لكن السؤال المطروح ما هي الاسباب الحقيقية وراء انفجار الأزمة الاوكرانية، وما علاقة الأزمة الاوكرانية بالأزمة التي تمر بها المراكز الرأسمالية، وما يجري في سوريا والعراق وليبيا وفنزويلا وغيرها من بؤر التوتر التي فجرتها الولايات المتحدة الاميركية في مختلف ارجاء المعمورة. ان الدور المتنامي لاقتصادات الدول الصاعدة وبشكل خاص مجموعة بركس يعتبر من اهم اسباب فشل المراكز الرأسمالية في الخروج من ازماتها المالية والاقتصادية، بعد ما اصبحت منافسا قويا للسلع المنتجة في الدول السبع التي كانت تهيمن على التجارة العالمية لوقت قريب، وانطلاقا من هذه الرؤية فالأزمة السورية استهداف روسي، كما هي استهداف للدولة السورية نفسها لصالح الامبريالية الاميركية والكيان الصهيوني، ومن بين اهداف العدوان على سوريا ابعاد روسيا عن البحر الابيض المتوسط، وافساح المجال امام تمرير الغاز القطري الى اوروبا واستبدال الغاز الروسي بالقطري. كما كان التدخل الاطلسي في ليبيا استهدافا لروسيا والصين لاستبدال الاستثمارات الروسية والصينية في ليبيا الى استثمارات اميركية واوروبية غربية.
لذلك تعتقد روسيا ان ما يجرى في اوكرانيا استهداف للاستقرار الروسي سياسيا واقتصاديا وامنيا، خاصة وان 80% من الغاز الروسي يمر من الاراضي الاوكرانية. ومن المعروف إن رفض الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش التوقيع على اتفاقية تعاون مع الاتحاد الاوروبي في الخريف الماضي وراء الموقف الغربي. فالولايات المتحدة الاميركية تدرك تماما خصوصية العلاقة الروسية الاوكرانية، فهي تشكل العمق الاستراتيجي لروسيا، وتشكل ضمانا لأمنها القومي، ومن هنا جرى التحرك الروسي تجاه شبه جزيرة القرم، وتبعه تصويت برلمان القرم على الانضمام لروسيا، لسد الطريق امام وصول الحلف الاطلسي الى مواقع استراتيجية مجاورة لروسيا.
ان تفاقم الأزمة المالية والاقتصادية التي تواجه أمريكا من جهة والثمن الباهظ الذي دفعته أمريكا في العراق وافغانستان وغيرها جعلها غير قادرة على التورط بحروب اقليمية مباشرة، لذلك تسخر اجهزتها الامنية في القيام بنشاطات تخريبية، وصناعة “ثورات معلبة” تصدرها لمواجهة بعض الدول التي تعيق او تعرقل مشروعها الامبريالي. فقد كشفت وسائل الاعلام عن تسجيل مسرب لمكالمة هاتفية بين المفوضة الأوروبية كاثرين آشتون ووزير خارجية إستونيا أن جهة في المعارضة الأوكرانية قامت بتجنيد مسلحين قتلوا متظاهرين ورجال أمن في ميدان الاستقلال في كييف. وقال الوزير الإستوني إن كل الشهادات تدل على أن جميع القتلى بطلقات نارية من رجال الأمن والمتظاهرين قتلوا على يد نفس المسلحين، وليس من قبل سلطات يانوكوفيتش. فالجهات الممولة للإرهاب في سوريا وغيرها من البلدان العربية هي نفسها التي تمول وتجند المسلحين لقتل المتظاهرين في كييف، وهي نفسها التي تقوم بأعمال التخريب في فنزويلا ومحاولة النيل من السلطة الشعبية فيها.