الاقتصاد الصيني أمام مرحلة جديدة

تتجه الأنظار في هذه الأيام الى العاصمة الصينية لمعرفة الابعاد الاقتصادية لنتائج اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وهو الاجتماع الثالث الذي يحتل اهمية خاصة للدولة الصينية، فقد تمخض الاجتماع الاول والثاني عن اختيار قيادة الحزب والدولة، اما الثالث الذي وصف بالتاريخي، فهو دخل في صلب الاصلاحات الاقتصادية، وقد اشارت وكالة الصين الجديدة ان هذا الاجتماع سيشكل منعطفا هاما في السياسات الاقتصادية. حيث طرحت القيادة الصينية الجديدة التي تولت السلطة في مارس الماضي رؤيتها لمستقبل الاقتصاد الصيني. ففي الوقت الذي يجري التأكيد على ان الهدف من الاصلاحات السياسية المحتملة “تعزيز نفوذ الحزب وليس الحد منه” في ظل حملة عامة لمواجهة الفساد التي تطال جهاز الحزب. وترصد الاوساط الاقتصادية نتائج الوعود المتعلقة بفتح قطاع الصناعات الصينية للمنافسة من قبل القطاع الخاص، وإنهاء احتكارات شركات الدولة في العديد من المجالات منها السكك الحديدية، في المقابل تأكيدات صينية ان هناك توجهات اصلاحية واسعة النطاق تسهم بتحقيق نمو اقتصادي اكثر ديمومة، لاعادة التوازن للنمو الاقتصادي، ليصبح اقل تبعية للصادرات والاستثمارات في البنى التحتية.

لفتت الصين انظار العالم خلال العقد الاخير بنجاحاتها الاقتصادية، فقد حققت معدل نمو سنوي للناتج المحلي الإجمالي لم تحققه دولة في العالم ومتوسطه 10.7 % خلال الفترة 2003-2011 مما أدى إلى انتشال عشرات الملايين من الفقر. وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لعام 2011 حوالي 7.43 تريليون دولار امريكى ، بزيادة 150 % عن عام 2002 ، وارتفعت نسبة الناتج المحلي الإجمالي للصين في الاقتصاد العالمي من 4.4 % في عام 2002 إلى حوالي 10 % في عام 2011. كما بلغ احتياطي النقد الأجنبي 3.18 تريليون دولار امريكى في نهاية عام 2011، وهو يمثل معدل نمو سنوي قدره 30.7 %. وبلغ معدل نمو استثمارات الاصول الثابتة حوالي 25% سنويا خلال الفترة 2003-2011، اما صادرات السلع ووارداتها فقد بلغت 3.64 تريليون دولار في عام 2011، بزيادة 490 % عن عام 2002. كما بلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الصين 716.4 مليار دولار امريكى خلال الفترة 2003-2011.

لقد استطاعت الصين مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية وحافظت على معدلات نمو مرتفعة خلال الازمة واحتلت المركز الثاني في الاقتصاد العالمي، وقادت الدول الصاعدة باقتدار في الحفاظ على اقتصاد متوازن خلال السنوات الخمس الماضية، وشكلت مع روسيا والبرازيل والهند وجنوب افريقيا تكتلا اقتصاديا عالميا “بريكس” وتقدر مساحة دول التكتل ربع مساحة اليابسة، ويقطنها 40% من سكان العالم، وقد احرزت تقدما ملموسا في مجال اقامة بنك للتنمية الاقتصادية الذي يعتبر رديفا للبنك الدولي، وسيكون للصين دور رئيسي في تمويله، كما تعمل الصين بخطوات ثابتة ومتأنية نحو تدويل العملة الصينية، وهي تملك اكبر احتياطي من العملات الاجنبية في العالم.

وعلى الرغم من النجاحات الكببرة التي حققتها الصين، الا انها تواجه تحديات كبيرة، ومن اهمها العمل على توسيع الطلب المحلي على السلع والخدمات خلال المرحلة القادمة، لتلبية الاحتياجات الاساسية للشعب الصيني وزيادة نصيبه من عائدات التنمية الاقتصادية، وتحقيق تنمية اجتماعية، وذلك لتحقيق هدفين مرتبطين الاول الحفاظ على انماط اقتصادية اجتماعية تحقق العدالة الاجتماعية، وتؤمن العمل والخدمات الصحية والاجتماعية للجميع وتحقيق العدالة في تكافؤ الفرص بين المواطنين، وذلك اخلاصا للاهداف المعلنة للدولة الصينية بالتمسك بالاشتراكية وفقا للنموذج الصيني، خاصة وان الهدف العام للاصلاحات اجتماعيا تحقيق العدالة الاجتماعية وتحسين رفاه الشعب وفقا للشعار الرئيسي لاجتماع اللجنة المركزية للحزب، اما الهدف الثاني يتصل بالهدف الاول فأن الاهداف الواردة في البند الاول تعني ضمنا زيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات لتوفير الاحتياجات المتنامية اجتماعيا كلما نجحت الدولة في معالجة قضايا الفقر والبطالة وتحقيق الرفاهية، الامر الذي يسهم بالحفاظ على ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، استنادا لمبدأ زيادة الطلب المحلي، وتخفيض الاعتماد على السوق العالمي.

مع ذلك ظهرت بعض الصيغ الملتبسة في التوجهات الصينية، حيث توحي بعض المقولات بانتقال الاقتصاد الصيني تدريجيا نحو آلية السوق الحر، فأن احدى الشعارات الرئيسية لاجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني “الاصلاح الاقتصادي هو مفتاح تعميق الاصلاح بشكل شامل وان الحل الجوهري هو العلاقة السليمة بين الحكومة والسوق وترك السوق ليقوم بدور حاسم في توزيع الموارد” فالعلاقة السليمة بين الحكومة والسوق، تعطي الحكومة حق تصويب انحرافات او اختلالات اقتصادية واجتماعية، اما الجزء الثاني من الفقرة بترك السوق ليقوم بدور حاسم في توزيع الموارد تحمل في طياتها خطر الانزلاق بالصيغ الليبرالية التي اسهمت بالافقار وانفجار الازمات، التي اوصلت اقتصاد المراكز الرأسمالية الى طريق مسدود، وعرضت الاقتصاد العالمي وخاصة في البلدان النامية الى خسارة فادحة دفع ثمنها العمال والفقراء.