ساد جو من التفاؤل الحذر خلال الشهر الماضي حول إمكانية إنهاء الصراع المسلح في سوريا بعد الاتفاق المفاجىء بين الخارجية الروسية والأمريكية حول تدمير الاسلحة الكيماوية، الامر الذي حول مسار الأزمة نحو الحل السياسي، وإحياء فكرة مؤتمر (جينيف 2) لمعالجة الأزمة السورية، ووقف المجازر التي ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من السوريين الابرياء، ووقف التدمير الممنهج للدولة السورية. الا ان هذا التفاؤل اصطدم برفض المعارضة السورية المشاركة في (جينيف 2)، ورفض المملكة العربية السعودية التعاون مع الاخضرالابراهيمي الذي قام بجولة في المنطقة للتحضير لمؤتمر السلام. وقد سبق وعبرت المملكة العربية السعودية عن غضبها بسبب تراجع الموقف الأمريكي عن شن حرب على سوريا، خاصة وأن التراجع الأمريكي رافقه تفاهمات اميركية ايرانية. الامر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى اجراء مراجعة لموقفها من مؤتمر السلام، ارضاء للموقف السعودي، فقد عبر جون كيري عن ذلك بتصريحاته التي تعتبر تطمينا للسعودية تجاه مؤتمر السلام والقضية الايرانية.
ليس سهلا تجاوز التناقضات المركبة والمتعددة للازمة السورية بين اطراف وقوى محلية واقليمية ودولية تختلف اسبابها ودوافعها، حيث تتداخل المواقف الوطنية مع مصالح القوى المعادية لسوريا، فالمعارضة السورية اصبحت خليطا بين فئات تناضل من اجل الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية، والحريصة على رفض التدخل الاجنبي، وبين قوى مأجورة مرتبطة بالدوائر الامبريالية والرجعية، ومرتزقة من تجار الحروب الذين امتهنوا القتل ويثرون على سفك دماء الابرياء، وتيارات مذهبية تكفيرية ظلامية. اما اميركا “واسرائيل” فقد حققتا جزءا هاما من اهدافهما، بتدمير آخر دولة عربية تقف في مواجهة الاحتلال، وتقدم الدعم والمساندة للمقاومة، دون خسارة جندي واحد، لم تتمكن “اسرائيل” في حروبها مع البلدان العربية بإحداث هذا الحجم من الخسائر البشرية، واستخدام هذا الكم الهائل من اطنان القذائف والذخائر التي سقطت على المدن والقرى السورية، ولم تتعرض البنية التحتية للدولة السورية في جميع الحروب لهذا لقدر من التخريب.
اما تركيا وايران وبعض الدول العربية فلهم حسابات مختلفة بعضها متصل بمستقبل المنطقة العربية والصراع على الادوار الاقليمية في المرحلة القادمة، والصراع المذهبي الذي نجح بول بريمر رئيس الادارة المدنية في العراق بتظهيره بعد الغزو الأمريكي للعراق، (حين التقى مع ما يسمى بالقيادات العراقية التي عقدت الصفقة مع الاحتلال الأمريكي طالبا منهم الجلوس حسب التقسيم المذهبي “السنة على اليمين والشيعة على اليسار” ليزرع بذرة الانقسام الطائفي والمذهبي في العراق) واخرى تنطلق من تصفية حسابات قديمة، كما لا يمكن تجاهل المصالح الروسية والقطرية المرتبطة بالتنافس على اسواق الغاز، خاصة مع تزامن الاعلان عن اكتشاف كميات كبيرة من الغاز والبترول في البحر الابيض، وبين نظام الحكم في سوريا الذي لم يستوعب الأزمة مبكرا، بالاستجابة إلى المطالب المشروعة بتحقيق الديمقراطية والتعددية السياسية، ومعالجة القضايا الاجتماعية ليقطع الطريق على الامبريالية وحلفاؤها في المنطقة.
فالأزمة السورية شديدة التعقيد، وتشكل التناقضات الداخلية والاقليمية والدولية عائقا كبيرا امام الوصول لتسوية سياسية تسهم بانتشال سوريا من حرب قذرة وتوقف نزيف الدماء والدمار والنزوح والتهجير. حرب اجهزت على مقومات الدولة السورية وعرضت نصف شعبها لأخطار حقيقية، وفي هذا السياق اورد التقرير الصادر عن الامم المتحدة في 30 اكتوبر الماضي، الآثار الكارثية للصراع المسلح في سوريا، مبينا أن أكثر من ثلث سكان البلاد قد فروا إلى الدول المجاورة، وإلى أن أكثر من نصفهم يعيشون في حالة فقر. وأن نصف اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في سوريا قد شردوا سواء داخل البلاد أو في الدول المجاورة. وعن الآثار الاقتصادية، وفي الجانب الاقتصادي فإن حوالي نصف القوى العاملة عاطلة عن العمل، كما انخفضت قدرة سوريا الصناعية. وتمثل الزراعة الآن نحو خمسين في المائة من الناتج المحلي الاجمالي. وقدرت خسائر القطاع الاقتصادي بنحو مليار دولار أمريكي منذ مارس 2011. كما تناول التقرير تأثير الأزمة السورية على عرقلة التنمية البشرية، حيث توقف نصف إجمالي عدد الأطفال ممن هم في سن الدراسة عن الذهاب إلى المدرسة كما تم إغلاق العديد من المدارس نتيجة للعنف وعدم الاستقرار. وأورد التقرير أن النظام الصحي على وشك الانهيار، فأربعون في المائة من المستشفيات العامة خارج الخدمة، ونحو ستين في المائة منها قد تعرض للتلف، وتم إغلاق أكثر من نصف المراكز الصحية التابعة للأونروا.
إن استمرار الحرب الدائرة في سوريا يعني مزيدا من القتل والتدمير والتهجير، ومهما طال امد الحرب ولم تحسم الأزمة عسكريا، فلا خيار امام الاطراف السورية سوى الذهاب إلى طاولة المفاوضات حقنا للدماء ورأفة بالشعب السوري الذي دفع ثمنا غاليا للحرب. مفاوضات دون قيد او شرط، وصولا لمرحلة انتقالية بضمانات دولية تفضي إلى انتخابات ديمقراطية تمنح الشعب السوري حق اختار قيادته.