الرؤية العمانية: شبح ادوارد سنودن يلاحق الإدارة الاميركية، فما لبثت ان تجاوزت مؤقتا ازمتها المالية، وترحيلها الى بداية العام القادم، حتى كشفت الغارديان البريطانية عن فضيحة اخلاقية من العيار الثقيل، بقيام وكالة الامن القومي الاميركي بالتجسس على 35 زعيما من زعماء العالم منهم انجيلا ميركل المستشارة الالمانية وديلما روسيف رئيسة البرازيل التي ألغت زيارتها المقررة للبيت الابيض بعد نشر وثائق تفيد بتورط اميركا بالتجسس عليها، كما كشفت الوثائق السرية، ان أمريكا تجسست على حوالي 125 مليار اتصال هاتفي ورسائل نصية خلال شهر كانون الثاني/ يناير من العام الجاري، كانت غالبيتها في دول الشرق الأوسط. منها 7.8 مليار عملية تجسس على الاتصالات في المملكة العربية السعودية، ومثلها على العراق، و 1.9 مليار اتصال على مصر، و1.6 مليار اتصال على الأردن.
تتصرف الادارة الاميركية باعتبارها “بوليس دولي وديكتاتور ينتهك حقوق شعبه”، مما يكشف زيف ادعاءاتها حول الديباجة “السمجة” التي ترددها باستمرار والمتعلقة “باحترام حقوق الانسان” والتي تستخدمها فقط كغطاء لمواجهة بعض الدول التي ترغب بإثارة القلاقل والاضطرابات فيها ودفعها نحو ما يسمى “بالفوضى الخلاقة” هذا التعبير الذي استخدمته الادارة الاميركية بكل وقاحة دون خجل، ومارسته من اجل تمزيق النسيج الاجتماعي واثارة النعرات الطائفية والمذهبية واشعال الحروب الاهلية، وتدمير البنية التحتية في العراق وسوريا، وتسعى لجر الوطن العربي الى نفس الطريق. ان تسريبات سنودن التي فجرت موجة غضب عارمة في العالم تكشف بوضوح عداء الولايات المتحدة الاميركية للعالم اجمع. فهي تتصرف بعلاقاتها الخارجية بأنها امام اعداء، ينتظرون لحظة انهيارها، وتخشى اصدقاءها كأعدائها، والسبب في ذلك انها لا تقيم علاقات سياسية واقتصادية وامنية متوزانة مع دول العالم، ليس هذا فحسب يل لادراكها حجم الكوارث الانسانية التي خلفتها سياساتها العدوانية لشعوب الارض. حيث تنطلق سياساتها دون جدوى من محاولة الحفاظ على امبراطوريتها بالتفرد في قيادة العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وتسخر منظومتها السياسية والاقتصادية والامنية للامساك بكافة الخيوط للحفاظ على اكبر امبرطورية للاحتكارات الرأسمالية، والطغمة المالية الحاكمة، لتتحكم بمصير سكان الارض قاطبة.
شهادات سنودن تذكرنا باعترافات قاتل اقتصادي “جون بيركنز” احد المختصين باصطياد الدول النامية لاغراقها بالمديونية، قبل “صحوة ضميره” الذي كان يعمل في شركة مين الأمريكية العابرة للقارات. وكان احد الرجال الذين يستدرجون دول العالم في الوقوع في فخ القروضٍ لتؤمن ولاءهم. ويسهل ابتزازاهم متى اقتضت حاجات اميركا السياسية والاقتصادية والعسكرية. ويقول بيركنز سبيلنا إلى ذلك تقارير مالية محتالة، وانتخاباتٌ مزورة، ورشاوى، وابتزاز، وغواية جنس، وجرائم قتل … باختصار كانت وظيفتي أن أُشجِّعَ زعماء العالم على الوقوع في فخ المديونية.
هذا الوجه القبيح للاحتكارات الرأسمالية المتعفنة، التي لم يسلم من شرورها احد، وفي مقدمتهم الشعب الاميركي الذي يعاني من الفقر والبطالة والفصل التعسفي المؤقت عن العمل بسبب الازمة المالية والاقتصادية التي تعتبر النتاج الطبيعي للرأسمالية المتوحشة. اما “حلفاء” اميركا في الشرق الاوسط الذين طالهم نصيب الاسد من حجم اتصالات التجسس، فمن الواضح ان اميركا لا تثق بأنظمة تدور بفلكها السياسي، وهم ليس حلفاء بمعنى شركاء بالمصالح والمواقف، بل يتولون رعاية مصالحها في المنطقة، وتقوم وكالة الامن القومي الاميركي بمراقبتهم لضمان قيامهم بعملهم على اكمل وجه. ومراقبة كل همسة لاستغلال اي ثغرة سياسية ام شخصية للابتزاز واستمرار الرضوخ لمشيئتهم.
لقد كشفت تداعيات الازمة السورية كيف تعاملت اميركا مع “حلفائها ” في المنطقة بعد الوصول لاتفاق اميركي روسي بمعالجة الازمة سياسيا والتراجع عن الخيار العسكري، دون مراعاة لمصالح “حلفائها” في المنطقة الذين اصيبوا بخيبة امل من تراجع الموقف الاميركي، وعلى الرغم من صحة التوجهات الجديدة في معالجة الازمة السورية سياسيا، الا ان الدوافع الحقيقية وراء تبدلات الموقف الاميركي ليس لاعتبارات انسانية، وتجنيب سوريا مزيدا من الكوارث، بل لعدم رغبة اميركا بالتورط في حرب اقليمية غير معروفة النتائج، خاصة بعد فشل المعارضة في تحقيق نجاحات عسكرية، وفقدانها مواقع استرتيجية، وتحول مسار المعركة باتجاه “النصرة وداعش” التيارات الاكثر تطرفا. ومن جهة اخرى جاء التوافق الاميركي الايراني في جولة المفاوضات التي عقدت في جنيف والوصول الى تسوية مبدئية تضمنت تخفيض العقوبات الاميركية كبادرة حسن نية. دون ان تتخلى ايران عن موقفها الثابت في حيازة التقنية النووية لاغراض سلمية، وتخصيب وقود اليورانيوم لدرجة تسمح لها تشغيل مفاعلاتها النووية لتوليد الطاقة الكهربائية. مقابل تأكيدات ايرانية بعدم استخدام هذه التقنيات لاغراض عسكرية.
التبدلات السياسة في المواقف الاميركية احرجت “حلفائها” في المنطقة، فقد عبرت بعض الدول عن عدم ارتياحها للموقف الاميركي بطريقة غير مباشرة، دون ان توجه نقدا مباشرا للمواقف الاميركية. الم يحن الوقت للاستفادة من هذه التجارب المريرة، اليس هذا درسا كافيا للنظام العربي لاعطاء الاولوية لامن واستقرار المنطقة بعيدا عن التدخلات الاجنبية.