مغزى الذهاب إلى الكونغرس

تنعقد قمة العشرين في ظل خلافات سياسية واقتصادية حادة، حيث تهيمن الأزمة السورية على اجواء المؤتمر. إضافة الى عدد من الملفات الاقتصادية، ابرزها، اثر انهاء سياسة الحفز الاقتصادي الذي تطبقه الولايات المتحدة الاميركية على النمو الاقتصادي، وانعكاساته على الاقتصاد العالمي، كما تحظى الاقتصادات الناشئة بالاهتمام الرئيس لدورها المحوري في الحفاظ على معدلات النمو الاقتصادي على الرغم من تراجع النمو الاقتصادي في روسيا والهند، الا انها تبقي مجموعة بريكس في طليعة الاقتصاد العالمي، وتبقى منطقة اليورو الحلقة الاضعف في المراكز الاقتصادية العالمية رغم التحسن الطفيف الذي طرأ خلال الربع الاخير.

نصبت الولايات المتحدة الاميركية نفسها وصيا على العالم لتقرر من يخالف القوانيين الدولية، ومن يلتزم بها، وهي تخالف إرادة الشعب الاميركي قبل غيره، فقد كشفت استطلاعات الرأي ان 19% فقط من الاميركيين يؤيدون العدوان المحتمل على سوريا و 56% ضد العدوان، ومع ذلك يتحدث اوباما ليس باسم الشعب الاميركي فحسب بل وباسم المجتمع الدولي، ويقرر خوض حرب خارج القانون الدولي، وخارج الشرعية الدولية، ولم ينتظر حتى نتائج عمل اللجنة المكلفة من مجلس الامن حول استخدام الاسلحة الكيماوية، وبأسم الديمقراطية يدفع الشعب السوري والشعوب العربية ثمن سياسات رعناء، تحظى بدعم النظام العربي، وتخدم مصالح الاحتكارات المتعددة الجنسيات.

وبغض النظر عن الاسباب المعلنة لذهاب الرئيس الاميركي الى الكونغرس للحصول على تفويض للدخول في الحرب، وهو يتمتع من الناحية الدستورية بصلاحيه اتخاذ القرار، فالدافع الحقيقي ليس مشاركة السلطة التشريعية باتخاذ القرار فحسب، بل هناك اسباب اخرى، منها تأجيل موعد العدوان لفترة وجيزة تسمح له القيام بمناورات سياسية مع مختلف الاطراف الاقليمية والدولية المعنية بما في ذلك سوريا وحلفائها، للمساومة ومحاولة احتواء الأزمة بالحصول على الاثمان السياسية المطلوبة بدون المعركة، تحت التهديد والضغط العسكري، وقد برز ذلك بوضوح حين اعلنت اميركا ان العدوان الاميركي محدود وعلى اهداف معينة، ولا يستهدف نظام الحكم في سوريا، بل فقط معاقبة الحكام السوريين واضعافهم، تمهيدا للذهاب الى جنيف 2، لخلق انطباع لدى النظام السوري ان تنازلات معينة لصالح الولايات المتحدة الاميركية تجنبهم العدوان الاميركي. اما الهدف الثاني من تفويض الكونغرس، فهو الذهاب الى صقور الحرب وغلاة اليمين المتطرف في الكونغرس، وممثلي احتكارات النفط وصناعة السلاح، لدعم الميل العام لدى باراك اوباما “غير المعلن” في خوض حرب مفتوحة لتحقيق الاهداف والمصالح الامبريالية والاحتكارات الرأسمالية والحركة الصهيونية، وهي لا تتوافق مع اعلان البيت الابيض ان الهدف من المعركة تقليم اظافر النظام السوري، وقد جاءت موافقة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الاميركي على الضربة العسكرية تأكيدا لهذا التوجه، وانسجاما مع تاريخ اميركا الملطخ بالدماء، فهناك العديد من الحروب التي شنتها دفاعا عن مصالح الاحتكارات الرأسمالية، وهي لا تخوض الحروب دفاعا عن الشعب السوري، او دفاعا عن القيم والمبادىء الانسانية او القانون الدولي كما تدعي. فقد داست حليفتها “اسرائيل” على القوانين والاعراف الدولية وهي تمارس ابشع انواع الاحتلال والاضطهاد ضد الشعب الفلسطيني بمباركة امريكية.

ومن ابرز التساؤلات المطروحة على السنة المواطنين في هذه الايام موقف روسيا من الأزمة، ومدى الدعم المنتظر لسوريا، مستحضرين التجارب التاريخية، منها مواقف الاتحاد السوفيتي… ومنها تجربة روسيا اثناء الحرب على العراق وليبيا… اعتقد انه من المفيد عدم خلط الاوراق.. روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي الذي كان يقيم تحالفاته على اسس مبدئية، والذي دفع اثمانا باهظة لمواقفه، كما ان روسيا اليوم قادرة على الدفاع عن مصالحها بشكل افضل من المرحلة السابقة وخاصة في مرحلة العدوان الاميركي على العراق. وهناك اعتقاد انها تحاول الاستفادة من اخطاء او تراخي موقفها اثناء الأزمة الليبية. مع ذلك لا بد من الاخذ بعين الاعتبار الظروف الاقليمية والدولية التي نشأت في ظل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، وعدم اغفال طبيعة المصالح المشتركة بينها وبين المراكز الرأسمالية.

فعلى الرغم من تداخل المصالح الاقتصادية بين الاقطاب الرئيسية، الا ان خلافات حادة تبلورت في السنوات الاخيرة اسهمت ببروز قطبين رئيسيين في العالم -الدول المتقدمة والدول الصاعدة- ويعيدنا هذا التشكل الى اجواء الحرب الباردة التي كانت سائدة قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، خاصة وان صراعا مستعرا على مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي احتل مكانة متقدمة في العلاقات الدولية بين هذين القطبين. من حيث المبدأ لم يعد الصراع الدائر بين القطبين على اسس ايديولوجية بين الرأسمالية والاشتراكية كما كان سائدا، كما ان كل قطب من القطبين الاساسيين لا يرى بانهيار اقتصاد القطب الاخر مكسبا سياسيا واقتصاديا له، فأن اي ضعف يعتري الاقتصاد العالمي في المراكز الراسمالية، يضعف قدرات الدول الصاعدة اقتصاديا والعكس هو الصحيح، بحكم الارتباط العضوي الناشيء بين اقتصادات العالم في ظل العولمة الرأسمالية، فما يشهده العالم من تراجع في نمو اقتصادات البلدان الصاعدة في هذه المرحلة بسبب حالة الركود الاقتصادي التي تمر به المراكز الرأسمالية.