المرتكزات الأساسية للموازنة

تنطلق المرتكزات الأساسية للموازنة العامة للدولة من الالتزام في ” البرنامج الوطني للاصلاح ” بداية نتساءل هل يوجد برنامج وطني للاصلاح ..؟ أم هناك مجموعة من الاجراءات أملتها الاتفاقية الموقعة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بحوالي 2 مليار دولار على ثلاث سنوات، والتي أصبحت اشتراطات على الحكومة للالتزام بها، وأهمها رفع الدعم عن الكهرباء والماء وغيرها من الخدمات والسلع. وتشير المرتكزات إلى أن الأولوية في المرحلة الحالية تحقيق الاستدامة المالية من خلال تخفيض العجز المالي والمديونية العامة والوصول بهما الى مستويات آمنة، وبما يكفل تدعيم أركان الاستقرار الاقتصادي وتحسين موقع الأردن على الخارطة الاستثمارية العالمية، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي، والاعتماد بصورة أكبر على ايراداتنا المحلية في تغطية نفقاتنا الجارية. لن نقف طويلا عند موضوعة من وراء هذه السياسات الاقتصادية، المهم ما هو أثر هذه الاجراءات على الاقتصاد الوطني عامة وعلى قدرته التنافسية، وما هو الأثر الاجتماعي لهذه السياسات وكيف تترجم على أرض الواقع، وما هي الكلف الحقيقية لها، ومن هي الفئات الاجتماعية التي تدفع ثمن هذه الاجراءات، وهل أخذت الموازنة العامة للدولة هذه المرتكزات فعلا بعين الاعتبار.
لنرى كيف تعاملت موازنة الدولة مع المرتكزات الأساسية وما هي الخطوات الملموسة في مجال تخفيض العجز والمديونية وهل تمكنت من تحقيق هذا الهدف. بلغت الايرادات المحلية في موازنة الدولة ـ الحكومة المركزية والمؤسسات الحكومية ـ حوالي (5,715) مليار دينار بينما بلغت قيمة النفقات العامة حوالي (9,336) مليار دينار بعجز قدره حوالي (3,621) مليار دينار وقد شكلت الايرادات المحلية حوالي 61% من اجمالي الانفاق العام، وهي نفس النسبة التي ظهرت في العامين الأخيرين 2011 و 2012 وبالتالي لم تظهر الأرقام أي تخفيض بنسبة عجز الموازنة أو أي تحسن في تغطية الايرادات المحلية للنفقات العامة، كما ورد في المرتكزات الأساسية للموازنة، وأن الحديث عن تخفيض المديونية ليس الا عبارات تستخدم في غير مكانها، فقد وصلت المديونية المحلية حوالي 17.7 مليار دينار حتى نهاية عام 2012. ومن المتوقع أن تتجاوز الـ 20 مليار دينار مع نهاية العام الحالي بعد تغطية العجز المتوقع في الموازنة وبعد تحقيق الهبات، ومع ذلك ليس المشكلة بارتفاع المديونية فحسب بل وبتوفير مصادر لاقراض الخزينة، فالسوق المحلي يفتقر للسيولة بعد تجاوز الدين الحكومي المحلي اكثر من 12 مليار دينار، اما القروض الخارجية فلم تعد متاحة بسهولة، وان توفرت فهي بشروط سياسية واقتصادية قاسية.
ومن المفيد الاشارة الى أن وجود موازنتين للدولة الأردنية الأولى للحكومة المركزية والثانية للموسسات الحكومية يخفي حقيقة الوضع المالي ونسبة العجز الحقيقي، فالحكومة تعلن عن عجز نسبته 8.9% وبذلك تتجاهل عجز المؤسسات الحكومية التي تعاني من عجز مرتفع وتغطي عجزها بقروض مكفولة من الحكومة، وبذلك يتبين ان العجز الحقيقي لموازنة الدولة الموحدة حوالي 15% من الناتج المحلي الاجمالي وهي نسبة مرتفعة جدا.
والغريب أن وزير المالية وصف الوضع الاقتصادي في المملكة بـ” المريح والمطمئن”، وعلى الرغم من تناقض تصريحات الوزير مع تصريحات الرئيس الا أننا لم نلاحظ أية معطيات جديدة تبعث روح الاطمئنان، وكنا نتمنى أن يؤشر معاليه الى الخطوات الاصلاحية الواسعة التي قطعها الاقتصاد الاردني كما أورد في تصريحاته. اضافة الى تأكيداته على تقليص العجز من خلال التركيز على جانبي الموازنة عبر زيادة الايرادات وتخفيض النفقات. وبالتدقيق بنمو الايرادات والنفقات في موازنة 2013 تقديرية نلاحظ ان النفقات المقدرة ازدادت بقيمة 470 مليون دينار، بينما الايرادات المحلية المتوقعة ازدادت بقيمة اقل وبحوالي 450 مليون دينار، ومن التجربة الملموسة درجت العادة على تراجع الايرادات المقدرة في نهاية العام وزيادة النفقات المقدرة لعدم التزام الحكومة بقانون الموازنة واصدار ملحق اوكثر لتغطية نفقات اضافية.
واخشى أن لا يتحقق أي تقدم في الأهداف المعلنة في المرتكزات الأساسية للموازنة سوى ما يتعلق بالغاء الدعم ورفع أسعار الماء والكهرباء والتي ستؤدي لارتفاع اسعار كافة السلع والخدمات الاساسية، فإن اقتطاع جزء من رواتب العمال والموظفين في الجهازين المدني والعسكري بسبب رفع الاسعار يفضي بالتأكيد الى افقار المواطنين، والى اضعاف الطلب الكلي امام العرض، ويسهم بشكل ملحوظ في تراجع النمو الاقتصادي، فلم نشهد أي مظهر ملموس من مظاهر الاصلاح الاقتصادي وأن تحسين موقع الأردن الاستثماري يقتضي اجراءات محددة تسهم بتحفيز الاقتصاد الوطني وليس باجراءات انكماشية .