|
اعتقد رئيس الوزراء أنه كسب الجولة الأولى، باستقوائه على الفقراء وذوي الدخل المحدود، حين رفع أسعار المشتقات النفطية، باستخدامه فزاعة انهيار الدينار، لتمرير املاءات صندوق النقد الدولي. تصريحات الرئيس الأخيرة تمهد لوجبة جديدة من رفع الأسعار وتشمل الكهرباء والماء، فقد أعلن الرئيس أنه لا رجعة عن قرار رفع الأسعار، وفي هذه المرة يهدد الرئيس ليس بانهيار الدينار فحسب بل وبانهيار الاقتصاد الوطني، لقد سببت تصريحاته حول انهيار الدينار ضررا جسيما على الاقتصاد الوطني، وهو الآن يحذر من انهيار الاقتصاد . تحذيرات الرئيس تضعنا أمام جملة من التساؤلات: أولها هل الاقتصاد الأردني من الهشاشة لدرجة أن فاتورة الكهرباء سوف تعرضه للانهيار، أم أن هناك مبالغات لممارسة ضغوط نفسية على المواطنين، بهدف الرضوخ لقرارات الحكومة، التي تضيف اعباء تتجاوز قدراتهم، حيث من المتوقع أن يؤدي ارتفاع تكلفة الكهرباء الى اشتعال أسعار كافة السلع والخدمات العامة، خاصة أنها تأتي بعد رفع أسعار المشتقات النفطية، الأمر الذي يؤدي الى اضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وانهيار القيمة الفعلية للأجور. لن أدخل بتفاصيل حول واقع الاقتصاد الأردني، لكن يمكن القول إنه يعاني من ضعف شديد ناجم عن اختلالات هيكلية لها علاقة بالسياسات الاقتصادية التي مارستها الحكومات المتعاقبة، بتخريب القطاعات الانتاجية ونمو اقتصاد طفيلي، وهروب رأس المال المحلي إما للخارج، أو انتقاله الى قطاعات غير انتاجية، اضافة الى تبديد ثروات البلاد بما يسمى بسياسة التخاصية، وانتشار مظاهر الفساد المتغول على الاقتصاد الوطني. اذا ليست فاتورة الكهرباء التي ستعرض الاقتصاد للانهيار، بل النهج الاقتصادي السائد وراء الأزمات التي أضعفت الاقتصاد الوطني وعرضته لما هو عليه. لا أقلل من أهمية أي وفر على الخزينة في هذه الظروف الاستثنائية التي تعاني من عجز مقدارة 2160 مليون دينار اضافة الى عجز الوحدات الخاصة (المؤسسات الحكومة) 1117 مليون دينار وبذلك يصبح عجز موازنة الحكومة المركزية والوحدات الخاصة 3277 مليون دينار، ومديونية تقدر بحوالي 17 مليار دينار، هذه الأرقام الفلكية لا تعالجها فاتورة الكهرباء، ولا تحتملها جيوب الفقراء، هل يخطر ببال أحد ان فروقات فاتورة الكهرباء سوف تعرض موازنة دولة قيمتها أكثر من 9 مليار دينار للانهيار، علما أن الحكومة الأردنية أعلنت رسميا بعودة ضخ الغاز المصري بالكميات المتفق عليها، وان فاتورة النفط سوف تنخفض بشكل طبيعي.
أما القول إن رفع أسعار الكهرباء قرار مصيري لا رجعة عنه، وذلك بناء على اتفاقيات سابقة مع صندوق النقد الدولي، هذا هو بيت القصيد… المهم التزام الحكومة باتفاقيتها مع الصندوق، من أجل الحصول على ما تبقى من قرض الصندوق، المهم ازالة اية عوائق أمام الحصول على قرض الصندوق، الحكومة تنظر لقرض الصندوق وكأنه خشبة الخلاص من الأزمات، وعلى فرض أنه مهم جدا لتغطية جزء ضئيل من عجز الموازنة، كيف ستغطي الحكومة باقي العجز، فالقروض المحلية أصبحت شبة مستحيلة بعد أن جففت المديونية الداخلية السيولة من السوق المحلي، كما أن الاقتراض الخارجي لم يعد سهلا من حيث المبدأ، وفي حال توفر امكانيات الاقتراض الخارجي فشروط الصندوق سوف تكون أصعب بكثير مما هي عليه الآن، لذلك على الحكومة أن تبحث عن حلول جذرية، فالتحذيرات ينبغي أن تنطلق أساسا من أجل انقاذ المالية العامة من العجز المتنامي، وتحفيز الاقتصاد الوطني، ويأتي ذلك من خلال طرح برنامج وطني اقتصادي متكامل لانقاذ الاقتصاد وليس في الاستيلاء على جيوب المواطنين. فالإجراءات الحكومية المتعلقة بمواجهة الأزمة من خلال رفع الأسعار وتحميل المواطنين أعباء الأزمة، اجراءات انكماشية تؤئر سلبيا على النمو الاقتصادي، وتؤدي الى انخفاض ايرادات الخزينة، وهي اجراءات لا تمت بصلة لقضية الاصلاح الاقتصادي، هي ليس أكثر من جباية تعود بالضرر على المواطنين وعلى الاقتصاد الوطني، وتعمق الاحتقانات الاجتماعية في ظروف سياية لا تحتمل… والغريب أن الرئيس يعلن أن قرار رفع الأسعار بعد الانتخابات مباشرة، أليس حريا بالحكومة أن تقدم برنامجا متكاملا لمواجهة الأزمة الاقتصادية أولا وتوفير المناخ السياسي لتحفيز الاقتصاد، واعادة النظر بالموازتة التي أقرتها الحكومة بتخفيض النفقات العامة للدولة، وزيادة الايرادات الضريبية وغير الضريبية بعد اعادة النظر في السياسة الضريبية ، بشكل يضمن اعادة توزيع الدخل، وتحقيق العدالة الاجتماعية. |
||