عام جديد على الوطن

مضى عام 2012 بعجره وبجره، وبكل ما حمل من أعباء ثقيلة على الأردنيين، عام اجهاض الاصلاحات السياسية، وانفجار الأزمات الاقتصادية، ورفع الأسعار، عام اعادة انتاج قانون الصوت الواحد المجزوء، هذا القانون الذي أوصل البلاد إلى أزمات عميقة: سياسية واقتصادية واجتماعية، وأنجب مجالس نيابية لا تعكس ارادة الشعب الأردني، ولا تعبر عن طموحاته ، مجالس لا تملك الارادة السياسة، وتتحرك بالريموت، وتشكل غطاء للفاسدين وبيع مقدرات الوطن، والاعتداء على الحريات الصحافية، مجلس الصوت الواحد الأخير الذي أصدر صك البراءة لأبرز قضايا الفساد ومنها قضية الفوسفات … هذه القضية التي أصدر النائب العام قبل يومين مذكرة جلب لرئيس مجلس ادارتها عبر الانتربول، بتهمة اختلاس 340 مليون دينار..! هذه بعض انجازات مجالس الصوت الواحد.
ومن العلامات البارزة لعام 2012 حل مجلس النواب، وقد استقبل قرار الحل بشعور مزدوج، ارتياح لمغادرة مجلس نيابي لا يمت بصلة لمصالح المواطنين، مع شعور بالأسى كون هذه المغادرة لا تفتح آفاقا جديدة أمام انتخاب مجلس نيابي من طراز جديد، بعد أن ترك المجلس السابق بصماته على تركيبة وتكوين المجلس القادم، فهو لن يكون أفضل من المجالس السابقة ولن يكون أوفر حظا، فلم تتغير الشروط التي أفرزت المجالس السابقة، فبعد اسقاط مخرجات لجنة الحوار الوطني فُرض قانون إقصائي، بهدف اعادة انتاج مجلس جديد ضمن المواصفات القديمة ..! ففي البلدان الديمقراطية المجالس النيابية تشكل الحكومات، وفي بلادنا الحكومات تشكل المجالس النيابية… أما التدخلات المباشرة فأول الغيث قطرة، فقد بدأت التدخلات هنا وهناك من قبل متنفذين في السلطة التنفيذية للتأثير على بعضهم بهدف الترشح للانتخاب مع وعود سخية…! ثم جاء دور المال السياسي الذي أصبح طاغيا على السطح ليس لشراء الأصوات فحسب، بل ولشراء المرشحين أيضا، فقد جرى تشويه فكرة القائمة الوطنية بعد بروز ظاهرة جديدة للفساد المالي، بتولى الممول بتشكيل القائمة وتغطية نفقاتها واختيار شخوصها وتوزيع المكافآت على أعضائها للقيام بتجميع أصواتهم لتوفير فرصة ما للمول.
وفي الأيام الاخيرة من العام الماضي زفت الحكومة نبأ تمتع الأردن بثقة صندوق النقد الدولي، فبعد قيام بعثة الصندوق بمراجعة أداء الاقتصاد الوطني والتأكد من تحميل المواطنين أعباء اضافية برفع أسعار المشتقات النفطية، خرجت اللجنة باستخلاص أن الأردن أوفى بتعهداته لصندوق النقد الدولي، وأنه يستحق الدفعة الثانية من القرض البالغة 385 مليون دولار، بعد أن حظي برنامج الحكومة بثقة الصندوق، وفشل بالحصول على ثقة المواطنين، الذين دفعوا ثمنا باهظا، وقد حاولت الحكومة استرضاء الفقراء بتخفيض سعر لتر الكاز ببضع فلسات، فالتخفيض بالغرام والزيادة بالقنطار، ورغم عودة الغاز المصري الى سابق عهده الا أن أسطوانة الغاز ما زالت مرتفعة ..!
لم أدخل بتفاصيل حول آخر قرارات الحكومة المتعلقة بالموازنة العامة ” الحكومة المركزية والوحدات الحكومية ” كون الموضوع يحتاج الى معالجة مستقلة، لكن لا بد من الاشارة الى أنه رغم الحديث عن ضبط الانفاق العام والغاء “الدعم” والخطط الحكومية بدمج الوحدات الخاصة وخفض الانفاق، وغيرها من العبارات التي استخدمت لتمرير قرارات رفع الأسعار، الا أن مشروع قانون الموازنة لعام 2013 يزيد على موازنة 2012 التقديرية بـ 958 مليون دينار. وبقيمة اجمالية 9330 مليون دينار، وقدر العجز الكلي للموازنة العامة والوحدات الخاصة 3621 مليون دينار. بزيادة عن العجز المعلن في موازنة 2012 التقديرية بحوالي 864 مليون دينار، ورغم الحديث المتكرر عن الاعتماد على الذات تضمنت الموازنة مساعدات خارجية بقيمة 850 مليون دينار مقابل 870 مليون دينار للعام الماضي، علما أنه لم يتحقق الجزء الاعظم منها ..!
رغم الصورة القاتمة التي طبعت عام 2012 الا أنه شهد نضالات شعبية واسعة واصرارا وطنيا على مواصلة النضال لمكافحة الفساد ومن أجل الاصلاح الشامل، فقد شهدت مختلف المحافظات حراكا شعبيا معبرا عن ضمير شعبنا في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ورغم عدم استجابة السلطة التنفيذية للمطالب الشعبية، الا أن هناك اصرارا شعبيا ووطنيا على مواصلة النضال من أجل تحقيق الأهداف النبيلة وفي مقدمتها استئصال الفساد، وتجسيد المبدأ الدستوري ” الشعب مصدر السلطات ” عبر اصلاحات سياسية ودستورية تمهد الطريق أمام اصلاح اقتصادي.