ماذا بعد الانتخابات ..؟

عندما ترفض الجماهير الشعبية أن تُحكم بأساليب الماضي، وعندما تفشل أدوات السياسة في مواصلة الحكم بالأساليب نفسها، ماذا يعني ذلك…؟ ، هذا يعني ان هناك أزمة عامة في البلاد، وانسداد في الأفق. وقد عبرت الجماهير الشعبية في حراكاتها ومسيراتها في مختلف المحافظات عن رفضها المطلق للنهج السائد بفرض سياسة الأمر الواقع على الشعب، ورفع أسعار المشتقات النفطية، وغياب الاصلاحات السياسية، ورفض القوانين التي تنتمي للماضي وفي مقدمتها قانون الانتخاب. هذا القانون الذي حرم الشعب الأردني من ايصال ممثليه الى قبة البرلمان، وأفرز حكومات فشلت في ادارة موارد البلاد، وتجفيف منابع الفساد، وكممت الأفواه وأصدرت القوانين المقيدة للحريات الصحفية، ومارست الضغوط المباشرة على الصحفيين، وعطلت أهم مواد الدستور” الشعب مصدر السلطات” حين زورت ارادة الشعب بايصال نواب لا يمثلون الشعب.
في المقابل تتآكل قاعدة النظام وتتسع الشريحة التي توجه نقدا للنهج السائد، خاصة ممن احتلوا مواقع قيادية في البلاد، فقد أقروا بحجم الضرر الذي لحق في الدولة نتيجة التزوير الذي جرى في الانتخابات النيابية، لكنهم يصرون على أن هذا التزوير تم في آخر دورتين فقط، وان كان الواقع يشير الى غير ذلك فان العصر الحديث لم يشهد انتخابات حرة ونزية وغير موجهة منذ صدور قانون الصوت الواحد سيء الذكر.
لقد جرى تداول خمس حكومات خلال العامين الماضيين، لم تقدم أي منها مخرجا للأزمات، وان جاءت الحكومة الحالية في ذروة الأزمة الا ان هذا لا يعني انها مسؤولة وحدها عّما وصلت اليه البلاد من خلل أصاب كافة مناحي الحياة. الا انها تتحمل مسؤولية رفع أسعار المشتقات النفطية في الوقت الذي لا تحمل برنامجا وطنيا لمعالجة الأزمة المالية، ومع ذلك تجري محاولات يائسة لتسويق الانتخابات النيابية، بعد اتساع الفجوة بين السياسات الرسمية والشارع الأردني، لعدم وجود ثقة بأن البلاد ستشهد انتخابات حرة ونزيهة، فقد زورت ارادة الشعب مسبقا من خلال قانون الصوت الواحد المجزوء الذي جرى اعادة فرضه مجددا، بعد أن أفرز هذا القانون برلمانات وحكومات مسؤولة عن الازمات المستعصية، فمن يصر على فرض قانون اقصائي يسهم في تزوير ارادة الشعب، لن ولم يمهد لانتخابات نزيهة، فالعلاقة مترابطة بين النظام الانتخابي والاجراءات التي تتبعها السلطة التنفيذية لتمرير سياسات محددة.
والنتيجة أن البلاد تمر في أزمات واحتقانات لا تحتاج الى حلول قسرية وفرض سياسة الأمر الواقع، بل تحتاج الى حلول خلاقة، فهناك استحقاقات سياسية واقتصادية واجتماعية تحتاج الى حكومة اجماع وطني تنبثق عن انتخابات حرة ونزيهة، تتولى فتح ملف الفساد وتحويله بالكامل الى القضاء. وفتح الملف الاقتصادي، والاقلاع عن السياسات الاقتصادية التي أوصلت البلاد الى الخراب. فالمديونية المتفاقمة لم تعد تسمح للحكومات القادمة بأن تواصل سياسة الاقراض، لسبب بسيط أنه لم يعد ممكنا الاقتراض من الخارج نتيجة الشروط القاسية والمذلة لاملاءات صندوق النقد والبنك الدوليين، كما أن الدين الداخلي امتص السيولة من السوق المحلي وأصبحت الحكومة منافسا قويا للقطاع الخاص على التسهيلات الائتمانية، أما المنح القادمة من الأشقاء فقد لمسنا حجم الضغوطات السياسية والمذلة التي استخدمت للافراج عنها ، ليس هناك أفضل من استثمار مواردنا بشكل جيد، وضبط النفقات العامة والاعتماد على الذات.
في ظل هذه الأجواء تصر الحكومة على اجراء الانتخابات النيابية بموجب القانون الذي أفرز المجالس السابقة، مع تعديل طفيف لا يحدث تغييرا ملموسا في النتائج، على الرغم من اتساع قاعدة المقاطعة للانتخابات من أحزاب سياسية وقوى وشخصيات وطنية واجتماعية، اضافة الى أوساط واسعة من الحراكات الشعبية، ناهيك عن المزاج الشعبي العام الذي يتجه نحو العزوف عن المشاركة في الانتخابات، وقد اتسعت هذه الظاهرة بعد قرار الحكومة برفع الأسعار، والتحضير لوجبة جديدة تتضمن رفع أسعار الكهرباء والماء، فمن غير المتوقع أن تنهي الانتخابات التي ستجري في مطلع العام القادم الأزمة أو تشكل مدخلا للخروج منها، بل ستسهم في تفاقمها، ولم يكتب للمجلس القادم الذي سينتخب على القانون الحالي ان يعمر كثيرا، ولن يكون حظه اوفر من المجلسين الاخيرين .