مع استمرار الحملة الانتخابية واحتدام المنافسة على ما يعرف بالولايات الحاسمة، وقبل أيام معدودات من الانتخابات، وفي ظل الصعوبات الاقتصادية التي تواجه الاقتصاد العالمي، نجح الديمقراطيون في تسجيل نقطة قد تكون مفيدة في السباق على كرسي الرئاسة، رغم منغصات اعصار ساندي الذي عطل الحياة في عدد من الولايات الأمريكية بما في ذلك الحملة الانتخابية، ناهيك عن حجم الخسائر والضحايا الناجمة عن هذا الاعصار الذي يشكل امتحانا عصيبا في وقت غير مناسب.
فقد أعلنت وزارة التجارة الأمريكية عن نمو في الاقتصاد الامريكي 2 % خلال الربع الثالث من العام الجاري. متجاوزا هذا النمو التوقعات السابقة المقدرة بحدود 1.8 %، ومع ذلك يتمتع المرشحان “أوباما ورومني” بثقة مطلقة في الوصول الى البيت الابيض. الا ان كرسي الرئاسة لا يستوعب الا احدهم. وبعيدا عن التنبؤات والمفاجآت فان تقرير وزارة التجارة الامريكية جاء في خدمة المرشح الديمقراطي، خاصة وان الاعلان عن تحسن النمو الاقتصادي جاء قبل 6 تشرين الثاني بايام معدودات، وقد بدأت الانتخابات المبكرة فعلا ، ومع ذلك نسبة النمو المعلنة على اهميتها الا انها لا تحدث تخفيضا ملموسا في معدلات البطالة التي ما زالت مرتفعة. علما أن الاقتصاد الامريكي يحتاج الى نمو يزيد على 2.5 % سنويا ليحقق نتائج ايجابية على صعيد البطالة .
واضح أن هذه النتائج جاءت بعد اجراءات استثنائية أقدمت عليها الادارة الامريكية، للتخفيف من حدة الأزمة، لكن هذه الاجراءات مؤقتة ولن تشكل أساسا متينا لكي يراكم الاقتصاد الامريكي عليها، فقد كلفت هذه الاجراءات عجزا في الموازنة يفوق التريليون دولار حوالي 7 % من الناتج المحلي الاجمالي، لن تستطيع الادارة الأمريكية دفع هذه الاثمان الباهظة لمواصلة سياسة تحفيز الاقتصاد، بمزيد من الاعفاءات الضريبية. فمن المعروف أن الادارة الجديدة أيا كانت ديمقراطية أم جمهورية ستبدأ تطبيق سياسة مالية جديدة مع بداية العام، تنطلق أساسا من زيادة الضرائب وتخفيض الانفاق على الخدمات العامة، وتراجع برنامج دعم وتحفيز الاقتصاد، لخفض عجز الموازنة، الذي سيؤثر سلبا على معدلات النمو الاقتصادي، وقد حذرت شركات أمريكية من خفض الانفاق وزيادة الضرائب، خشية انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحد، وفقا لما اكدته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية. كما اكد مكتب الموازنة بالكونغرس الامريكي، اضافة الى اقتصاديين في وول ستريت إن زيادة الضرائب وخفض الإنفاق قد يؤدي إلى عودة الاقتصاد الأمريكي إلى الركود.
تأتي هذه التوقعات في ظل اقتصادات أوروبية آيلة للسقوط، خاصة في ظل العولمة الرأسمالية، فلم يعد ممكننا أن تعيش دولة أو اقليما بمعزل عن العالم، فالترابط الاقتصادي بين مختلف الدول الرأسمالية أصبح من أهم مظاهر سمة العصر، فمن المعروف أن الأزمة المالية والاقتصادية بدأت في الولايات المتحدة الامريكية الا أنها سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم في مختلف البلدان الراسمالية المتقدمة ، وانعكست اثارها على البلدان النامية، صحيح أن أمريكا تمكنت من تخفيف آثار الأزمة بفضل ضخ تريلونات الدولارات على حساب الاقتراض الذي فاقم المديونية التي وصلت الى حوالي 16 تريليون دولار. اضافة الى طباعة الاوراق المالية من دون ضوابط، وانتقلت الازمة الى الدولة التي اصبحت تعاني من الديون السيادية، في حين لم تخرج الاقتصاد الامريكي من ازمته، بل على العكس من ذلك فالاقتصاد الامريكي مرشح للدخول في ازمة جديدة مع بدء تطبيق سياسة التقشف.
أما أوروبا التي تعيش الأزمة بكامل تجلياتها، فهي تعاني من أزمة اقتصادية حقيقية أزمة فيض الانتاج، فسياسة التقشف التي اتبعت في القارة الاوروبية ادت الى تفاقم الازمة، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي، واتساع مساحات الفقر، وارتفاع عدد العاطلين من العمل، وزيادة المشردين، وما زال زعماء الاتحاد الاوروبي يبحثون عن مخرج للازمة وتحتل قضية الوحدة الاقتصادية جل اهتمامهم بهدف تعزيز الوحدة النقدية، وان كانت هناك تباينات واضحة بين الاطراف المعنية، ويتمحور الموقف الرئيسي لدى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالرقابة المركزية على الميزانيات الوطنية والإصلاحات الاقتصادية،كما تعارض ميركل بإصرار المشاركة في تحمل أعباء ديون والتزامات حكومات منطقة اليورو أو بنوكها سواء من خلال صندوق لسداد الديون أو إصدار سندات مشتركة لمنطقة اليورو أو وديعة مصرفية مشتركة كضمان، أو إجراء إعادة رسملة مباشرة بأثر رجعي للبنوك التي حصلت على مساعدة صندوق إنقاذ منطقة اليورو. ويلخص الموقف الالماني المعلن بشأن مستقبل منطقة اليورو هو معارضة المشاركة في تحمل الأعباء. وتشاركها في هذا الموقف هولندا وفنلندا.