9/1/2010
فالأزمة ما زالت تلقي بظلالها على معظم البلدان الرأسمالية, وبشكل خاص على الولايات المتحدة الامريكية, ولم تتمكن ادارة اوباما خلال عامها الاول من تجاوز الازمة, رغم التفاؤل الذي ساد الأوساط السياسية والاقتصادية, بعودة النمو الاقتصادي خلال الربع الثالث من العام الماضي, بعد ركود استمر عامين, كما أن عودة النمو لا تعني انتهاء الازمة, فعودة الانكماش للاقتصاد الأمريكي متوقعة, وذلك بسبب عدد من المعيقات, منها ارتفاع نسبة البطالة التي تقدر بحوالي 10 بالمئة, اي حوالي 15 مليون عاطل عن العمل, إضافة الى أن النمو الاقتصادي جاء بتأثير ضخ مئات مليارات الدولارات لتحفيز الاقتصاد, إضافة الى ان القطاع المالي لم يستقر بعد, وهو يعاني من انهيارات متواصلة فقد بلغ عدد البنوك المنهارة خلال العام الماضي 140 بنكا, وتوقعت المؤسسة الاتحادية ان يتسارع انهيار البنوك, وأعرب الرئيس الأمريكي باراك اوباما عن قلقه من حجم الديون على امريكا, محذرا من الارث الاقتصادي الذي سيتركه للاجيال القادمة, فالاقتصاد الامريكي يعاني من اعلى مديونية في العالم.
جاء نمو الناتج المحلي الاجمالي, بعد قيام الحكومة الامريكية بضخ مليارات الدولارات, لتحفيز الاقتصاد الامريكي, وممارسة “الممنوعات” في قاموس الرأسمالية المعولمة, بالتدخل المباشر في الاقتصاد, وشراء المؤسسات المالية والمصرفية, وشركات التأمين والتجمعات الصناعية الضخمة, ودعم السلع, وإصدار القرارات الحكومية لتوفير الحماية الجمركية لبعض السلع والخدمات, ووصل الإنفاق الحكومي حوالي 3.52 تريليون دولار, خلال عام من انفجار الازمة, الامر الذي ادى الى ارتفاع عجز الموازنة الى 1.42 تريليون دولار في نهاية ايلول ,2009 اي حوالي ثلاثة اضعاف العام السابق, وشكل العجز حوالي 10% من الناتج المحلي الاجمالي, وهو اعلى معدل له منذ الحرب العالمية الثانية, لذلك لا يمكن القياس على هذه المرحلة, فالحكومة الأمريكية أسهمت بتقديم سلع وخدمات مدعومة بإعفاءات ضريبية, كحافز للاقتصاد, فقد ارتفع الإنفاق على السلع المعمرة بنسبة 22.3 بالمئة وهي أعلى نسبة منذ عام ,2001 وذلك بفضل التعويض النقدي الذي دفعته الحكومة الأمريكية لأصحاب السيارات القديمة عند استبدالها, بتكلفة 3 مليارات دولار, الأمر الذي رفع مبيعات السيارات مؤقتا, وبعد انتهاء برنامج تعويض السيارات القديمة في آب, انخفضت مبيعات السيارات في شهر ايلول.
كما تحسن سوق العقارات بزيادة الطلب على المساكن بنسبة 23.4 بالمئة في أعلى زيادة فصلية منذ 23 عاما, بفضل إعفاء ضريبي قيمته 8 آلاف دولار لكل مشتري منزل. كما أقدمت الحكومة الأمريكية على إجراءات حمائية لأنابيب الصلب المستوردة من الصين بنسبة تزيد على 100%, بشكل يتنافى مع مبادئ العولمة الرأسمالية وشروط منظمة التجارة العالمية.
بهذه السياسات تكون الولايات المتحدة الأمريكية, خرقت قوانين العولمة الرأسمالية, من تدخل الدولة في الاقتصاد, وحماية الصناعات الوطنية, التي كانت وراء تشريعها بأنظمة عالمية وفرضها على دول العالم, فقد عمل المحافظون الجدد منذ عهد الرئيس الامريكي رونالد ريجان, في ثمانينيات القرن الماضي, على تبني سياسات اقتصادية متشددة, بشن هجوم على الدول التي تتبنى تدخل الدولة في الاقتصاد, وملكية الدولة للمؤسسات العامة, وسياسات القطاع العام, ليس فقط في الدول التي كانت ضمن توجهات اقتصادية اشتراكية, بل وفي بعض الدول الرأسمالية التي احتفظت الدولة بملكية المؤسسات الكبرى, والقطاعات الاستراتيجية مثل المياه والطاقة وبعض الخدمات الاساسية, وتصدى ريغان لسياسة الانفاق الحكومي في دعم البرامج الاجتماعية, بذريعة تخفيض عجز الموازنة, في الوقت الذي خفض الضرائب على الاحتكارات, متجها نحو الرأسمالية المنفلتة, “النيو كلاسيك” التي شكلت المنطلقات الاساسية للسياسة الاقتصادية التي عرفت فيما بعد ب¯ »الليبرالية الجديدة«, وفرض المحافظون الجدد سياستهم على مختلف دول العالم, مع ممارسة الضغوط على البلدان النامية من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين, بتطبيق سياسة التكيف واعادة الهيكلة, وتخلي الدولة عن ملكية القطاعات الحيوية للمجتمع, لصالح الاحتكارات المتعددة الجنسيات, والتي اوصلت الاقتصاد العالمي للازمة المالية والاقتصادية التي انفجرت في ايلول .2008 فارتدت الولايات المتحدة الأمريكية عن سياساتها ونهجها وفلسفتها الاقتصادية “الليبرالية الجديدة”, بالانتقال الى تدخل الدولة لحماية الطغمة المالية, والاحتكارات الرأسمالية من الانهيار. وضخ الاموال, وتقديم المكافآت لطبقة المدراء ورؤساء الشركات العملاقة, من جيوب دافعي الضرائب.
دفع العالم ثمنا باهظا لمغامرات الإدارة الأمريكية, هذه المغامرات المسؤولة عن العديد من الكوارث لصالح الاحتكارات, من شن حروب عدوانية ظالمة, وخلق بؤر التوتر في العديد من بلدان العالم وبشكل خاص في العالمين العربي والإسلامي, وإغراق العالم بأزمة مالية واقتصادية من اجل الحصول على أرباح خيالية بأقصر السبل وأسرعها, بعقد الصفقات في أسواق المال والبورصات العالمية, وتكديس الثروات بأيدي حفنة من المضاربين, أما الخاسر الأكبر من مغامرات الإدارة الأمريكية العسكرية والاقتصادية, فقراء العالم في البلدان النامية والطبقة العاملة وصغار الموظفين والمهمشين في البلدان الرأسمالية.