23/12/2009
جريدة الرؤية العمانية – لم يمض وقت طويل على انفجار الازمة المالية العالمية، حتى انعكست أصداؤها على مختلف بقاع الارض ، ومن الطبيعي ان تكون الدول النفطية في طليعة المتأثرين، بسبب الركود الاقتصادي العالمي، وانخفاض الطلب على المشتقات النفطية، وانهيار أسعاره، لكن سرعان ما استعاد النفط توازنه…
فهمي الكتوت
23/12/2009
جريدة الرؤية العمانية – لم يمض وقت طويل على انفجار الازمة المالية العالمية، حتى انعكست أصداؤها على مختلف بقاع الارض ، ومن الطبيعي ان تكون الدول النفطية في طليعة المتأثرين، بسبب الركود الاقتصادي العالمي، وانخفاض الطلب على المشتقات النفطية، وانهيار أسعاره، لكن سرعان ما استعاد النفط توازنه، بعد هبوط حاد وارتفاع تدريجي، فكان للتدخلات المتكررة لاوبك اثر في ذلك ،إضافة الى زيادة الطلب على النفط بسبب نمو الاقتصاد الصيني من جهة، ووقف انهيار بعض القطاعات الصناعية نتيجة تدخل حكومات الدول الصناعية الكبرى، بضخ تريليونات الدولارات لاحتواء الأزمة.
أما دبي فهي الأقل اعتمادا على النفط، لكنها الأكثر تأثرا في الأزمة الاقتصادية، وهي الأكثر التصاقا وانفتاحا على الاقتصاد الرأسمالي في المنطقة، بحكم العلاقة المباشرة بين أسواق المال والتجارة، في ظل العولمة الرأسمالية، والحرية المطلقة لحركة رأس المال، وحركة التجارة العالمية، فقد استقطبت دبي المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، وتدفقت عليها مئات مليارات الدولارات ، وشكلت أهم سوق تجاري لمختلف المنتجات العالمية في الشرق الأوسط، ومرآة للنظام الراسمالي العالمي، فدخلت في سباق مع عمالقة الاقتصاد العالمي وقدمت “الاكبر والاعلى والاحدث والاضخم والافخم” في العالم، مع ردم البحار، وانشاء الفنادق العملاقة، والبيوت العائمة، والابراج الفريدة، لتقدم نفسها للعالم، مدينة السحر والخيال والأحلام، وبعد كل هذه الاحلام يكتشف العالم ان هذه المشاريع العملاقة ممولة بأرقام فلكية من البنوك العالمية، التي تسابقت لتقديم التسهيلات الائتمانية. ومع انفجار الازمة المالية والاقتصادية العالمية في المراكز الراسمالية انتقلت الازمة سريعا، محدثة أزمة عميقة في مفاصل اقتصاد الامارة.
المشهد الاميركي يتكرر في دبي، ليس مهم اين تبدأ الازمة في عصر العولمة الراسمالية، فهي تنتقل من بلد الى اخر في حال توفر الشروط ، فاقتصاد دبي اعتمد بدرجة اساسية على قطاع الخدمات ،والسياحة والعقارات والمضاربات المالية ،اي معظم الاستثمارات في قطاعات غير انتاجية، بهدف تحقيق الربح السريع، معتمدة على القروض المصرفية، ومع انكماش السوق وتراجع الاسعار، تراجعت القيمة الفعلية للعقارات ، لم تعد هذه العقارات تغطي التزامات البنوك .
ومنذ اعلان دبي تأجيل دفع قيمة السندات المستحقة على شركة نخيل، لمدة ستة اشهر ساد جو من التشاؤم، خاصة ان التأجيل جاء من طرف واحد، حيث رفض حوالي 25 في المئة من حملة السندات الجدولة، فاللجدولة شروطها، وهي حصيلة مفاوضات بين الاطراف المعنية، وضمن معطيات مالية واقتصادية تسمح بذلك.
في ظل هذه الاجواء المتشائمة، وفي ظل انكماش النمو الاقتصادي، وتفاقم ازمة سوق العقارات، الذي تراجع بشكل كبير، بفضل هجرة الاف المغتربين واخلاء منازلهم، تراجعت اسواق بورصات دبي وابو ظبي بشكل ملموس، وفي مقدمتها سوق العقارات الذي وصل سهمه الى ادنى مستوياته في الايام الاخيرة من تاريخ استحقاق سندات الدين، وبلغت خسائر هذا القطاع خلال النصف الأول من العام الحالي، حوالي 13 مليار دولار. كما ان محاولات ادارة هذه الشركات في احتواء الازمة، عن طريق الدمج باءت بالفشل، فمنذ يونيو الماضي وشركة دبي القابضة تسعى لتوحيد ثلاث شركات للتطوير العقاري تابعة لها هي ” دبي العقاري “، “وسما دبي”، “وتطوير” مع شركة “إعمار”، تحت مظلة واحدة ، وذلك تجنبا للمنافسة بين الشركات المذكورة، ولخفض نفقاتها بتوفير جزء من عمالها، إذ أصدرت مؤخرا شركتا دبي القابضة وإعمار بيانين منفصلين يعبران عن تراجعهما عن الدمج.
لم يكن امام دولة الامارات سوى الاقتداء بالاسلوب الاميركي لمواجهة فقاعة دبي، بضخ المزيد من الاموال لانقاذ الشركات المتعثرة ، بعد ان حصلت على دعم مالي مقداره 10 مليارات دولار من ابوظبي لتسديد 4.1 مليارات دولار قيمة سندات استحقت في 14 ديسمبر الماضي، وتخصيص المبلغ المتبقي لتسديد الفوائد والمصاريف التشغيلية لمؤسسة دبي العالمية ، وعلى اهمية هذا الاجراء الذي اسهم بانعاش السوق المالي ، ويتيح الفرصة لهذه الشركات لاجراء مراجعة واعادة هيكلة لمواجهة التحديات. الا ان ضخ الاموال للشركات المتعثرة ليس مخرجا للازمة، كما اعتبر المدير العام لصندوق النقد الدولي دومينيك ستراوس أن الدعم الذي قدمته أبو ظبي لمساعدة حكومة دبي في دعم شركات متعثرة ، يمثل جزءاً من الحل ولكنه لن يحل المشاكل العالقة. وأوضح أن أزمة قروض دبي سوف تؤثر سلبا على قطاع الاستثمار في دول مجلس التعاون الخليجي، وعلى النمو الاقتصادي في المنطقة، محذرا من احتمال تفجر أزمات مستقبلية.
ازمة دبي لا يمكن حصرها بعدم تمكن الشركات المذكورة من تسديد التزاماتها بمواعيدها، فالازمة اعمق واشمل، ما تعاني منه هذه الشركات افرازات للازمة الحقيقية التي تواجه الراسمالية المنفلتة والتي انهارت في مهدها، هذا النموذج الاقتصادي القائم على المضاربات والصفقات والارباح الخيالية السريعة، والذي لا يشكل قاعدة مادية لتطوير الاقتصاد الوطني، وما شهدته دبي من استثمارات خيالية في قطاع الخدمات لم يأت بالتوازي مع تطور مماثل للقوى المنتجة وتوطين التكنولوجيا، بل استجابة لنمو دور القطاع المالي والخدمي بهدف تحقيق الربح السريع، ان الوطن العربي بحاجة الى نموذج اخر من الاستثمار الوطني القائم على بناء قاعدة اقتصادية انتاجية، تعتمد بالدرجة الأولى على القطاعين الصناعي والزراعي والخدمات التي يحتاجها المجتمع، لتحقيق التنمية المستدامة ، والتي تعود بالفائدة اقتصاديا واجتماعيا على كافة مكونات المجتمع المحلي ، وضمن رؤية تكاملية توفراحتياجات الوطن العربي، وتستثمر ثرواته، وتوظف عمالته، وتتصدى لمشاكل الفقر والبطالة والتخلف، وتشكل بديلا تدريجيا عن الاعتماد على ايرادات النفط مستقبلا.