وعد بلفور تجسيدا للرؤية والمصالح الاستراتيجة للنظام الراسمالي

خلال ندوة ثقافية .. الصوراني يؤكد أن وعد بلفور جاء تجسيداً للرؤية والمصالح الإستراتيجية للنظام الرأسمالي ولمصالح بريطانيا

أكد مسئول الدائرة الثفافية المركزية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين غازي الصوراني أن وعد بلفور جاء تجسيداً للرؤية والمصالح الإستراتيجية والنظام الرأسمالي عموماً ولمصالح الإمبراطورية البريطانية في تلك المرحلة خصوصاً. واعتبر الصوراني خلال ندوة ثقافية للرفاق كوادر وأعضاء المناطق والروابط في الجبهة بقطاع غزة أمس بعنوان: ” وعد بلفور ومسار الصراع العربي الصهيوني “

أن ما يسمى بـ “أرض الميعاد” أو المسالة اليهودية أو الحركة الصهيونية، لم يكن سوى ذريعة استخدامية لتكريس مصالح النظام الاستعماري البريطاني في بلادنا الذي امتد منذ ذلك التاريخ 1917 حتى عام 1957، حيث تولت الولايات المتحدة الأمريكية –منذ ستينيات القرن الماضي- قيادة النظام الرأسمالي في صيغته الإمبريالية المعولمة، ومن ثم تطورت العلاقة مع الحركة الصهيونية ودولتها على قاعدة المصالح الإمبريالية في بلدان الوطن العربي ، عبر استخدام نفس الذرائع التوراتية والأفكار الصهيونية العنصرية رغم كل حقائق التاريخ التي تؤكد على انقطاع الصلة بين فلسطين واليهود منذ عام 135 ميلادية ، مايعني أن ما يسمى بـ “العودة اليهودية” إلى بلادنا فلسطين، ليست عودة توراتية أو تلمودية دينية، وإنما هي “عودة ” إلى فلسطين خططت لها ووفرت مقوماتها الانظمة الرأسمالية الاستعمارية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، عبر دعمها للحركة الصهيونية .

وأوضح بأن النظام الرأسمالي الجديد حرص على اعادة احياء الطابع الديني للمسألة اليهودية وتشجيع الفكر الصهيوني ورواده على النقيض من عقلانية عصر النهضة وفلسفته التنويرية والانسانية القائمة على الديمقراطية والمواطنة ، مشيراً أن قوة المصالح الرأسمالية طغت على كل الشعارات والأسس الفكرية التي ميزت عصر النهضة، وذهبت صوب احياء البعد الديني التوراتي الغيبي كذريعة تختفي ورائها تلك المصالح الرأسمالية لتحقيق هدفها الاستراتيجي في اقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري (فلسطين) الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ، ومن ثم كان تشجيعها لعقد المؤتمر الصهيوني الاول 1897، ثم عقد مؤتمر لندن 1907 او ما يعرف بـ “مؤتمر كامبل بنرمان” ثم اتفاقية سايكس بيكو، ثم وعد بلفور وصولاً إلى صك الانتداب 1922 والاعتراف الرسمي بالوكالة اليهودية ودورها في فلسطين حتى عام 1948.

واستعرض الصوراني لمحة تاريخية عن فلسطين منذ قرنها الخامس قبل الميلاد وحتى وعد بلفور، مستعرضاً الحقائق التاريخية المحيطة بهذا الوعد المشئوم، متطرقاً للشخصية الكريهة في الوعي الفلسطيني التي شكلت أساساً لهذا الوعد المشئوم وهي شخصية وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور وإصداره عام 1917 هذا الوعد انطلاقاً من رؤية له تعتبر الصهيونية قوة تستطيع التأثير في السياسة الخارجية الدولية.

ولفت الصوراني أن هذا الوعد كان السبب المباشر في كل مآسي الشعب الفلسطيني, ويعتبر أول خطوة يتخذها الغرب لإقامة كيان لليهود على تراب فلسطين.، وقد قطعت فيها الحكومة البريطانية تعهدا بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وكانت سببا رئيسيا لهجرة اليهود واستجلابهم إلى فلسطين من جميع أنحاء العالم.

وشرح الصوراني بتعمق التطور التاريخي لفكرة الحركة الصهيونية ومنطلقاتها الدينية والسياسية وفق رؤية النظام الرأسمالي، لافتاً أن أول من استخدم مصطلح الصهيونية كان المفكر والكاتب اليهودي نتان بيرنبويم، وأن الموسوعة البريطانية قد نقلت تعريفاً خطيراً لهذا المصطلح،بلغ في تزييفه للحقائق التاريخية، وخضوعه للرؤية الصهيونية، حد تسمية فلسطين بـ”أرض إسرائيل”، بل استخدمت الموسوعة اللفظ العبري لتعميق هذا المعنى، مقدمة كل ذلك وكأنه من المسلمات التي لا خلاف عليها! حيث جاء في الموسوعة: “الصهيونية حركة يهودية قومية تستهدف إنشاء ودعم دولة لليهود في فلسطين “إرتز يسرائيل” (أرض إسرائيل بالعبرية).

واستطرد قائلاً: أنه يتضح أن التعريفات التي قدمتها الموسوعتان الفرنسية والبريطانية، تغيب على نحو مقصود الشعب الفلسطيني صاحب الأرض، الأمر الذي يؤكد خضوع أكبر الموسوعات الغربية للرؤية الصهيونية والقيام بدعاية لها.

وأشار إلى أن الفكرة الصهيونية السياسية المعاصرة التي ظهرت في القرن التاسع عشر تبلورت في كتاب ثيودور هرتزل “الدولة اليهودية” الذي ظهر عام 1896، وأن هرتزل قام بالدعوة إلى عقد المؤتمر الأول العام 1897 في بازل – سويسرا. ولهذا فإن هرتزل يعتبر المؤسس الحقيقي للحركة الصهيونية فكراً وممارسة.

واستعرض الصوراني الخطوات اليهودية لتنفيذ قرارات مؤتمر بال الصهيوني سنة 1897 من تشجيع للاستعمار اليهودي لفلسطين بطريقة منظمة، وتنظيم الحركة الصهيونية، وإنشاء منظمات صهيونية أخرى قامت بشراء المزيد من أراضي فلسطين وبالتحديد من ملاكي الأراضي الغائبين، ومن ثم إنشاء المستوطنات والمستعمرات الصهيونية.

وتطرق الصوراني للدور البريطاني في منتصف القرن 19 وبداية القرن ال20، مشيراً أن الوثائق البريطانية في تلك الفترة حافلة بالشواهد على تطور فكر رئيس وزراء بريطانيا اللورد بالمرستون والذي وصل لتحديد ثلاثة أهداف للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط أهمها فتح أبواب فلسطين لهجرة اليهود، لافتاً أن المحطة الرئيسية للدور البريطاني تجلت في دعوة بريطانيا عام1907 لعدد من الدول الاوروبية للمشاركة في مؤتمر لندن (المسمى مؤتمر كامبل بنرمان) بهدف مناقشة مستقبل البلاد العربية والشرق الاوسط، والذي أكد فيه المؤتمرون على أن ” إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط بحيث يشكل في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها. هو التنفيذ العلمي العاجل للوسائل والسبل المقترحة”.

وأضاف إلى أنه بالتوازي مع الاتصالات التي كانت تجري لإصدار هذا الوعد، كان يتم تبادل مراسلات الشريف حسين ـ مكماهون، وفي نفس الوقت تماما، مفاوضات مع الأمير عبد العزيز آل سعود، وتعده بعكس ما تعد به الشريف حسين.

وفي هذا السياق أشار الصوراني إلى أن “التحالف” الذي تشكل عقب الحرب العالمية الأولى بين بريطانيا من ناحية وادواتها في المنطقة ، خاصة الشريف حسين والأمير عبد العزيز إبن سعود جلب للعرب عامةً وللفلسطينيين خاصة ، أكبر محنة واجهوها في تاريخهم الحديث .

وأكد الصوراني أنه كان هناك مقاومة للصهيونية ولهجرة اليهود إلى أرض فلسطين، حيث ناضلت الجماهير العربية ضد الهجرة وبيع الأرض، وأخذ التسامح في الاختفاء تدريجياً، وفي عام 1886 هاجم الفلاحون العرب المطرودون من الخضيرة وبتاح تكفا (ملبس) قراهم المغتصبة، ووبعد الهجرة الثانية 1904-1914 اشتدت مقاومة السكان العرب للحركة الصهيونية خاصة بعد أن طبقت هذه الحركة مبدأ “احتلال العمل” وهو شعار العمل العبري في شكله الجنيني.

واستعرض الصوراني نشأة الحركة الوطنية في مراحلها الأولى والثانية والثالثة، مشيراً أن كل هذه المراحل اتسمت عموماً بالضعف والسلبية نتيجة عجز القيادة الطبقية ورخاوتها السياسية ومصالحها، رغم التضحيات الغالية التي قدمها الشعب الفلسطيني عموماً والفقراء من أبناء العمال والفلاحين خصوصاً، مشيراً بالمقابل إلى تقدم الحركة الصهيونية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً (في الصناعة والزراعة) وعلمياً واجتماعياً وأمنياً … إلخ.

وأوضح أن هبة البراق التي كان سببها اتساع الملكية للحركة الصهيونية وشراء الشركات الصهيونية أراضي عربية كثيرة كانت هبة في جوهرها _ وطنية ديمقراطية هدفها الأرض والحرية بالرغم من أن اسباب دينية هي التي أشعلتها، فكانت الشعارات الأساسية التي رفعتها الجماهير الفلسطينية هي إلغاء الانتداب ووعد بلفوروالاستقلال الذاتي ووقف بيع الأراضي، ووقف الهجرة.

وتحدث الصوراني عن الأحزاب الفلسطينية ونشأتها ودورها في مجمل الصراع مع الحركة الصهيونية آنذاك مثل حزب الاستقلال العربي، وحزب الدفاع الوطني، والحزب العربي الفلسطيني، وحزب الإصلاح، وحزب الكتلة الوطنية، والحزب الشيوعي الفلسطيني، وحركة الإخوان المسلمين، وحركة القسام التي قادها الشيخ عز الدين القسام والذي استفاد من خبرات ودروس هبة البراق فشرع في بناء الخلايا السرية، ومن ثم خاض غمار الكفاح المسلح ضد الانتداب والصهيونية.

وبيّن الصوراني أن حركة القسام تركت كثيراً من العبر الكفاحية أهمها أنها كانت المبادرة الأولى في ظل الانتداب لخوض الكفاح المسلح بمعزل عن القيادة الرجعية، و قد حفزت الجماهير وأبانت له الطريق، وكشفت حوار الحركة الوطنية شبه الإقطاعية، وفتحت الحركة أمام الجماهير الباب لانتزاع المبادرة من القادة التقليديين، فنشبت ثورة 1936 بمبادرة شعبية خالصة وبمعزل عن القيادة التقليدية، وإن كانت تلك القيادة قد نجحت في تطويق واحتواء الثورة في وقت لاحق.

وأضاف أن القسام حركته في الوقت الذي كانت فيه الجماهير لا تزال ملتفة حول المفتي والقيادات الإقطاعية، ولم تأخذ الحركة فرصتها، زمنياً، لتجميع الجماهير ولفها حولها، فكان أن أصابت ضربة الاستعمار قلب التنظيم القسامي.

ولفت إلى أن الخطأ العسكري الرئيسي الذي وقع فيه القسام، هو حصر نشاطه السياسي والتنظيمي في منطقة واحدة هي شمال فلسطين، وفي بدئه الانتفاضة المسلحة في قضاء جنين، مما سهل على الاستعمار الإجهاز عليه ومنعه وصول شرارتها إلى بقية المناطق ولكن إلى حين، لافتاً أنه مهما يكن من أمر، فإن انتفاضة القسام كانت المقدمة، بل والبداية الحقيقية لثورة 1936.

وتطرق الصوراني إلى قرار تقسيم فلسطين عام 1947، والذي جاء أمام تفاقم أزمة الاستعمار البريطاني الذي قام بإحالة قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة، التي ناقشتها في مايو 1947 ثم أوفدت لجنة من الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، وقد قدمت هذه اللجنة تقريرها القاضي بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود في سبتمبر 1947.

وأفاد الصوراني أنه منذ إقرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة مشروع التقسيم دخلت القضية الفلسطينية مرحلة جديدة، وسرعان ما نشبت الصدامات بين المواطنين العرب وبين المستوطنين اليهود، مستعرضاً بتعمق تفاصيل الأحداث منذ حرب عام 1948 مروراً بالانتفاضتين وصولاً للمرحلة الراهنة التي يعيشها شعبنا من نكبة اقسى وأمر من نكبة 48 عبر الصراعات المتصلة بين حركتي فتح وحماس التي كرست انقسام الشعب الواحد في غزة والضفة الغربية ، بمثل ما كرست حالة من الاحباط والقلق واليأس في اوساط شعبنا في كل اماكن تواجده، مؤكداً أنها حالة حققت للعدو الإسرائيلي أهدافاً لم يكن قادراً على تحقيقها بدباته وطائراته وقنابله طوال العقود الطويلة الماضية .

وأكد الصوراني أن ما جرى خلال العقود الماضية أضاع الرؤية حول المشروع الصهيوني كما حول المسألة الفلسطينية، لافتاً أن إذا كانت سنوات منذ 1948 إلى سنة 1973 هي سنوات الحلم بتحرير فلسطين، سواء عن طريق الجيوش العربية ، أو عبر المقاومة الفلسطينية، فان السنوات التي تلت حرب أكتوبر سنة 1973 عبّرت عن انقلاب التصوّر، و تغيير ليس الاستراتيجية فقط بل أولاً تغيير الرؤية، ولقد تأسس هذا الانقلاب انطلاقاً من القبول بالوجود الصهيوني و الاعتراف به .بمعنى أن النظام الإقليمي العربي ( و بضمنه منظمة التحرير الفلسطينية) أقرّ بالوجود الصهيوني و أقرّ التعامل معه بصفته حقيقة واقعة.

وأشار أنه توضح خلال مسار ” السلام” بأن ” التكوين الصهيوني” يرفض ما رفضه منذ سنة 1948، والمستند إلى قرار التقسيم، و الداعي لقيام دولتين: يهودية و فلسطينية. و أنه يعتبر أن كل فلسطين هي ” إسرائيل”، و أنه لا زال يعتبر بأن المشكلة التي تحتاج إلى حلّ هي مشكلة ” الوجود البشري” الفلسطيني الذي يؤسّس لانقلاب ديموغرافي خطر يجب تجاوزه.

ولفت إلى أنه في هذا الوضع تكون «مفاوضات السلام» ضرباً من القبول بالاحتلال، والتنازل له، ومن ثم الضياع في متاهات البحث عن حل ما، لإيجاد سلطة هزيلة لا حول لها، ووهكذا أصبح سقف التفاوض محدوداً بمفهوم الحكم الذاتي، أو الدويلة ناقصة السيادة، على ما يمكن أن يتنازل عنه العدو الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو تكريس مبدأ الفصل بينهما عبر ما يسمى بـ “خيار دولة أو إمارة غزة”، وهي كلها “حلول” محكومة – في اللحظة الراهنة من اختلال موازين القوى – بمنطق الهيمنة الامبريالية/الصهيونية ولاءاته الخمسة التالية : لا انسحاب من القدس، لا انسحاب من وادي الأردن، لا إزالة للمستوطنات، لا عودة للاجئين، ولا للدولة الفلسطينية المستقلة، فالمسألة بحسب التصوّر الصهيوني أن الأرض هي أرض يهودية والتصرّف بها انطلاقا من ذلك، الأمر الذي يجعل الحكم الذاتي هو الشكل الأقصى للسلطة الفلسطينية في إطار دولة يهودية تسيطر على كل فلسطين .

وفي هذا السياق ، حذر الصوراني إلى أن خطوة الاعتراف بحقوق السيادة السياسية لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين، عبر حل الدولتين، هو حل أقرب إلى الوهم في ظل ميزان القوى المختل راهناً، ولا يشكل حلاً او هدفاً مرحلياً وفق رؤيتنا في الجبهة الشعبية، وانما يمثل ضمن موازين القوى في هذه المرحلة – تطبيقاً للرؤية الإسرائيلية الأمريكية، التي تسعى الى مسخ وتقزيم هذا المفهوم واخراجه على صورة “حكم ذاتي موسع” او “دويلة مؤقتة، مفتتة ، ناقصة السيادة” او تقاسم وظيفي او أي مسمى اخر لا يرقى أيداً الى مستوى رؤيتنا للدولة المرحلية كما تم الاتفاق عليها في مؤتمرنا الوطني السادس، وكما وردت في نظامنا الداخلي – مادة 1″، ما يعني بالنسبة لنا في الجبهة تاكيد التزامنا – في هذه المرحلة- بتلك الرؤية ضمن أولويات أهدافنا الوطنية والديمقراطية، وفي سياق التناقض مع طروحات السلطة والرئاسة التي دأبت على تقديم مسلسل التنازلات منذ عام 1993 الى اليوم، بوهم الوصول الى مصيدة تفاهمات جديدة لن تخدم سوى المصالح الطبقية الخاصة للطغمة القيادية المتنفذة، ناهئكم عن استمرار الانقسام الوطني والمجتمعي الراهن بين حركتي فتح وحماس ، الذي يعني استمرار غياب الإستراتيجية الوطنية التوحيدية ضمن حدودها الدنيا كما وردت في وثيقة الوفاق الوطني .

وأضاف بأن استمرار القطيعة أو الصراع بين التنظيمين الرئيسيين، لن تفضي بهما وبالشعب والأرض والقضية سوى إلى إنتاج القطيعة الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي هذا السياق قال: “أن أقصر السبل إلى إسقاط حق تقرير المصير الوطني (للشعب العربي الفلسطيني) هو تمكين تلك القطيعة الجغرافية السياسية (والنفسية) من النفاذ والرسوخ في كل مكوناته السياسية والمجتمعية بما يفتح الباب مشرعاً أمام عوامل الاستسلام واليأس من ناحية وتكريس الهيمنة الأمريكية الصهيونية ليس على فلسطين فحسب بل على كافة بلدان الوطن العربي من خلال انظمتها التابعة من ناحية ثانية”.

وأشار إلى أن حل المسألة الفلسطينية في دولتين ” يهودية” و فلسطينية ذات سيادة كاملة على أرضها ومواردها مستحيل، وحلها في إطار دولة واحدة هي إسرائيل مستحيل كذلك، لأن الرؤية الصهيونية المهيمنة تنطلق من تكريس الطابع اليهودي للدولة، متساءلاً عن موقع الكيان الصهيوني في الاستراتيجية الأمريكية؟. وماذا تريد الولايات المتحدة من هذه المنطقة؟، مشيراً أن السياسة الأمريكية في المنطقة تقوم على ركيزتين أولهما: اقتصادية، وتتمثل في السيطرة على السوق، بالاستفادة من المواد الأولية، وثانيتهما: استراتيجية، تتعلق بإستراتيجية كسب مناطق النفوذ ضمن استراتيجية الصراع العالمي، مشيراً أن ان تأثير السياسة الإمبريالية على الدور الصهيوني، يفوق تأثيرها في أية بقعة أخرى، لأن أساس وجود واستمرار الكيان الصهيوني، يعتمد على الدعم الإمبريالي له، مشيراً أن هذه المسألة تفرض التعامل مع الأصل (أي الدول الإمبريالية) كما مع الفرع (أي الوجود الصهيوني) أولاً، فهما معاً يعملان من أجل تدمير واقع العرب و تدمير مطامحهم، وتفرض هذه المسألة ثانياً، ضرورة تأسيس تصوراتنا انطلاقاً من مطامحنا، كعرب، في التوحّد والتقدم والاستقلال. وأن نعي أن الصراع ضد الوجود الصهيوني هو جزء من ذلك.

وحذر من أننا أمام مشروع يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية ونفي المشروع القومي العربي، وإذا كان دور الكيان الصهيوني يتحدد في منع تحقيق الوحدة العربية (الدولة الحاجز)، فإن دوره الآن غدا أعمق، فهو النفي المطلق لـ “الهوية” العربية، و إزاء كون المشروع الصهيوني جزء من المشروع الإمبريالي ، والأمريكي تحديداً ، وأن احتلال فلسطين هو جزء من السياسية الإمبريالية للهيمنة على العرب ، وبهذا فلا يمكن أن ينظر إلى فلسطين إلا كأرض عربية محتلة.

وشدد على ضرورة إعادة البحث في المشروع الصهيوني من حيث طبيعته و علاقته بالرأسمالية العالمية، وبالمسألة اليهودية، و كذلك بوضع العرب في النظام الإمبريالي العالمي، مشيراً إلى أن المسألة الفلسطينية هي – من هذه الزاوية- مسألة عربية، و أن الوجود الصهيوني مؤسس لكي يكون معنياً بالوضع العربي، و فلسطين هي مرتكز ( و لنقل قاعدة) من أجل ذلك، الأمر الذي يجعل الحل محدّد في الإطار العربي، انطلاقاً من حقائق الصراع العربي الإسرائيلي الراهنة ، التي أكدت دون أي لبس أن الامبريالية لا تعتمد في سيطرتها على المنطقة على إسرائيل وحدها ، فلها ذراعان ، ثانيهما هو الرجعية العربية رغم أنها ليست حليفاً مضموناً أو استراتيجياً للإمبريالية .

وشدد على أهمية صياغة حل يقوم على أساس العمل من أجل أن تكون فلسطين الديمقراطية جزءاً من دولة عربية ديمقراطية موحدة، عبر نضال شعبي عربي يكون الشعب الفلسطيني في طليعته، مؤكداً أن التزام الجبهة الشعبية بهذا التوجه ، يفرض عليها وعلى كافة الماركسيين المعنيين بمستقبل القضية الفلسطينية وبمصير الوطن العربي، وبهزيمة الرأسمالية ووالقوى الإمبريالية، و بتحقيق التطوّر والحداثة. مزيداً من التفاعل و الحوار من أجل إعادة بناء التصوّرات الماركسية، و إعادة الإعتبار للحلم الإشتراكي. و كذلك البحث الجاد في الواقع العربي من أجل بلورة المشروع القومي الديمقراطي، مشروع التحرر والاستقلال والوحدة القومية و التطوّر و الديمقراطية و الحداثة.

وأضاف أن كل ذلك يفرض أن ينفتح الحوار و البحث، من أجل أن تتقاطع الرؤى، و يتبلور ما يمكن أن يشكِّل أساساً لحركة تغييرٍ ماركسية جديدة. مشيراً أننا معنيّون بمواجهة الحرب الإمبريالية الأميركية، وركيزتها المتمثّلة في الدولة الصهيونية ، و كذلك مواجهة نهب الأنظمة الرأسمالية التابعة و إستبداديّتها. معبّرين عن روح الطبقات الشعبية و عن حلمها في التطوّر و الحياة الكريمة و المساواة.

وشدد على أنه لم يعُد ممكناً إستمرار الوضع الراهن للحركة الماركسية العربية، و لم يعُد مقبولاً إستمرار هذا الوضع، خصوصاً أننا نشهد إنهيار الحركة السياسية العربية كلها، و نهوض الحركة الأصوليّة كبديل عنها رغم ظلاميّته، حيث أنه يقدّم الماضي كحلٍّ للمستقبل من خلال الحلول المحافظة في المستوى الإجتماعي، و عبر تكريس الاقتصاد ألريعي بديلاً عن الاقتصاد المنتج، و السلطة الفاشيّة بديلاً عن الديمقراطية. و لتبدو أنها المقاوم ل ” الإمبريالية ” و للاحتلال. و لاشك في أنها تقوم بذلك، لكن من منطلق سلفيّ و على أسس دينيّة، و من أجل تحقيق انتصار ديني و تكوين محافظ.

وبهذا السياق أكد على أهمية عودة اليسار لدوره الحقيقي، و أن تعود الماركسيّة منهجيّة تحفر في الواقع، وتؤسّس لتجاوزه نحو المستقبل، مشيراً أنه لن يتم تحقيق ذلك الدور المنشود إذا لم يقطع اليسار ارتباطاته أو علاقاته الانتهازية، السياسية والوظيفية المصلحية بالقيادة البرجوازية وسلطتها وأنظمتها ، وان يمتلك الوضوح الثوري والوعي المطلوب بالنظرية والواقع لتفعيل شعار التحرر الوطني والديمقراطي من خلال الممارسة الثورية في مقاومة الاحتلال ، جنباً إلى جنب مع مسار النضال الديمقراطي الداخلي ضد السلطة أو الانظمة وممارساتها .

وختم مشددا على أن هذا الدور لليسار و للماركسية، هو الذي يفتح الأفق لتجاوز التخلّف و التجزئة و التبعيّة و الاستبداد، و تحقيق المجتمع العربي الاشتراكي الموحد.