
لم تصمد كثيرا تصريحات وزير المالية المتكررة حول عدم تأثر الاقتصاد الاردني بالازمة, ولم يعد مهما النقاش حول هذا الموضوع بقدر ما هو مهم البحث عن السبل والوسائل الكفيلة لتجنيب البلاد آثار ونتائج هذه الازمة, خاصة بعد ما كشفت مصادر رسمية عن تراجع الايرادات العامة للخزينة للعام الجاري ما بين 200 الى 300 مليون دينار نتيجة انخفاض ايرادات ضريبة المبيعات وايرادات دائرة الاراضي بسبب التباطؤ الاقتصادي, ومن المتوقع ان يواجه الاقتصاد الاردني مزيدا من الضغوط الاقتصادية, وسبق وحذرنا من تجاهل الفريق الاقتصادي للآثار الناجمة عن الازمة العالمية على الاقتصاد الاردني, وكان على الحكومة ان تتعامل بجدية اكثر قبل اصدار موازنة عام 2009 بالتخلي عن السياسات الاقتصادية التي فشلت في مهدها, ووضع سياسات جديدة تتوافق مع المستجدات وتراعي التطورات الاقتصادية التي يشهدها العالم.
معظم بلدان العالم اقدمت على مجموعة كبيرة من الاجراءات تتعلق بالسياسات المالية والاقتصادية, بدءا من اعادة النظر بالسياسات الرأسمالية المنفلتة واعادة الاعتبار لدور الدولة في الاقتصاد الوطني, وانتهاء بوقف الانفاق المظهري غير الضروري واعطاء الاولوية لمشاريع استثمارية تنموية.
ان التحديات الكبيرة التي تواجه البلاد تفرض على الحكومة اجراء اصلاحات اقتصادية وطنية, فالهزيمة التي لحقت بالليبرالية الجديدة لا تعني انتصارا للسياسة البيروقراطية التي سادت في البلاد قبل تغول الليبرالية, لذلك لا بد من التقدم بخطوات سياسية تكفل نجاح اصلاح اقتصادي جوهري, باعادة النظر في القوانين كافة واصدار التشريعات الضرورية من اجل تحقيق مشروع تنموي اقتصادي اجتماعي يشارك به القطاعان العام والخاص بتوجيه من الدولة نحو استثمارات انتاجية لاستغلال الثروات الوطنية الغنية في البلاد, ووقف المشاريع المظهرية الواردة في الموازنة كافة تحت باب نفقات رأسمالية, من شراء اراض ومبان وانشاءات باستثناء احتياجات وزارتي الصحة والتعليم, مع وقف سياسة الاقتراض او زيادة الضرائب لتمويل الانفاق, كما لا بد من اجراء مراجعة جدية حول ربط الدينار بالدولار, والتفكير جديا باتخاذ قرار ملموس لحماية الدينار من المخاطر التي تهدد الدولار.
ان مجموع العوامل المتصلة بالازمة سوف تشكل ضغوطا ملموسة على الاقتصاد الاردني والمجتمع عامة حيث من المتوقع انخفاض الايرادات العامة, وتراجع النمو الاقتصادي, وتراجع معدل الصادرات, وارتفاع نسبة البطالة بسبب انخفاض الطلب محليا وعربيا على العمالة نتيجة الازمة, وعودة بعض المغتربين الى البلاد وانخفاض التحويلات من العملات الاجنبية. الامر الذي يتطلب توجيه الايرادات المتحققة للخزينة نحو المشاريع الانتاجية المولدة للدخل, والتوجه نحو مؤتمر وطني بمشاركة اصحاب الرأي الآخر من احزاب وهيئات وشخصيات وطنية لاوسع حوار وطني بهدف الخروج من الازمة باقل الخسائر, وتحقيق مشروع وطني بابعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وهذا يتطلب اتخاذ اجراءات ملموسة نحو توسيع الحريات العامة وتحقيق اصلاح سياسي عبر آليات محددة تكفل الوصول الى نظام ديمقراطي حضاري يوفر الشروط الاساسية للتطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي, وتوفير الشروط والعناصر الضرورية لتحقيق الشفافية باصدار القوانين والتشريعات الضرورية التي تسهم بمكافحة الفساد ومعاقبة الفاسدين.
خاصة ان الازمة الاقتصادية العالمية اخذة بالاتساع والتفاقم بعد ان اصبحت تهدد العديد من الفروع الاقتصادية بالانهيار وفي مقدمتها قطاع السيارات, ان ما يشهده العالم حاليا ازمة فيض الانتاج التي تتمثل بعدم مقدرة المستهلكين على شراء السلع المكدسة في المخازن, نتيجة التضخم وفقدان القيمة الشرائية لدخل الفئات الوسطى والدنيا في المجتمعات الرأسمالية, اضافة الى الازمة المالية الناجمة عن استفحال مظاهر الفساد في المؤسسات المالية, وهيمنة القطاعات غير الانتاجية على الاقتصاد, ومن المنتظر ان تتعمق الازمة المالية والاقتصادية بشكل واسع خلال المرحلة المقبلة, فالامريكيون امام خيارات صعبة اما ادارة الظهر للدول الصناعية والاستمرار بطباعة عملات من دون غطاء من اجل توفير المال لمواجهة عجز السيولة ما يفقد الدولار مكانته في العالم وقد يعرضه للانهيار, ويضعف المساهمة العالمية في مواجهة الازمة, او الاستجابة للضغوط الدولية وتحقيق اصلاحات ملموسة في النظام الاقتصادي والمالي وتشديد الرقابة وتوفير الضوابط الضرورية على المؤسسات المالية وحماية العملات المحلية, الامر الذي سوف يحرم الولايات المتحدة الامريكية من استخدام ماكينة الطباعة لتوفير السيولة.0
عام 2009 عاما للزراعة.