تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية على الاردن / فهمي الكتوت

من الصعب القول ان الاقتصاد الأردني لن يتأثر في الأزمة الاقتصادية التي يشهدها النظام الرأسمالي, على الرغم من بعض التطمينات, صحيح ان نسبة استثمارات الأردنيين في أسواق المال العالمية متواضعة, الا ان ملكية غير الأردنيين في الشركات المساهمة الأردنية تشكل حوالي 50% من رأسمال هذه الشركات, وان حالة الفزع والذعر انتقلت سريعا لأسواق المال العربية, حيث شهدت خسائر فادحة ،ان كل الأسباب متوفرة للعولمة الرأسمالية لتصدير أزمتها الى مختلف دول العالم وفي عدادها الأردن, خاصة وان شبح الأزمة الاقتصادية يلف معظم الدول الرأسمالية. ومن المتوقع ان تتفاقم الأزمة الاقتصادية في بلدنا نتيجة تداعيات الأزمة العالمية، على الرغم من بعض التصريحات الرسمية المتفائلة، صحيح ان انخفاض أسعار بعض السلع والمواد الأولية والمشتقات النفطية بسبب الركود الاقتصادي الذي تعاني منه معظم الدول الصناعية، سوف يسهم في تخفيض عجز الميزان التجاري ، وتخفيض نسبة التضخم ، ولكننا لسنا محصنين من عدوى هذه الأزمة نظرا لهشاشة اقتصادنا وضعفه من جهة، ولعولمة رأس المال من جهة أخرى، وخاصة في ظل مناخ اقتصادي عالمي لا يشكل حافزا لتقديم المنح والمساعدات للدول الفقيرة، مما قد يحرمنا من بعض المساعدات الخارجية في السنوات القادمة ، من رأسمال هذه الشركات، نتيجة سياسة الخصخصة التي طبقت في السنوات الأخيرة بوحي من نهج الليبرالية الجديدة، ان كل الأسباب متوفرة للعولمة الرأسمالية لتصدير أزمتها الى مختلف دول العالم وفي عدادها الأردن . 
   ان حزمة من الإجراءات الوقائية والضرورية  سوف تسهم بتخفيف أثار هذه الأزمة ، خاصة وان الاقتصاد الأردني يعاني من تداعيات السياسة الليبرالية التي طبقت في السنوات الأخيرة، ومنها خصخصة مؤسسات للدولة كانت تدر دخلا للخزينة قبل التخلي عنها لصالح الرأسمال الأجنبي، إضافة الى السياسات الانكماشية التي طبقت بزيادة الاعتماد على الضرائب غير المباشرة لتمويل الموازنة، وما رافقها من زيادة في النفقات العامة لا تتناسب مع نمو إيرادات الخزينة،الأمر الذي أدى إلى زيادة الاعتماد على الاقتراض لتمويل عجز الموازنة. وقد أضعفت هذه السياسات قدرة الاقتصاد الوطني على المرونة في مواجهة الأزمات، فالموازنة تعاني من عجز يقدر بحوالي المليار ونصف المليار دينار، حوالي 25% من النفقات العامة، والميزان التجاري يعاني من عجز تجاوز الثلاث مليارات ونصفا خلال النصف الأول من العام الحالي، والمديونية مرتفعة على الرغم من استخدام عائدات التخاصية لتسديد ديون دول نادي باريس، والتضخم تجاوز كافة الخطوط الحمر (15.5%) خلال الأشهر الثمانية الماضية من العام الحالي، مما أدى الى تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين بسبب تآكل الأجور الفعلية نتيجة الغلاء الفاحش والمستمر.
   كما لوحظ ان برنامج الحكومة الاقتصادي للعام المقبل لم يأخذ بعين الاعتبار الأزمة الاقتصادية التي تواجه العالم، وقد برز هذا جليا في مشروع قانون الموازنة، وكأن رؤية الفريق الاقتصادي تنطلق من عدم تأثر البلاد بالأزمة، وبعيدا عن التهويل والإثارة وبرؤية موضوعية للواقع الملموس، ان جميع الدول سوف تتأثر بالأزمة ، ومن المتوقع تأثر الاقتصاد الأردني كغيره من اقتصاديات العالم، سواء ما يتعلق بمعدلات النمو الاقتصادي، وتراجع الاستثمارات الأجنبية في البلاد، او انخفاض إيرادات الخزينة خلال العام المقبل ، فالإيرادات الضريبية قد تتعرض للضمور بسبب الكساد الذي يواجه اقتصاديات العالم ، بالإضافة إلى توقعاتنا بانخفاض المساعدات الخارجية، وتأثر صادراتنا بسبب انخفاض الطلب عليها، وزيادة نسبة البطالة وانخفاض الطلب على العمالة الأردنية في أسواق العمل الخليجية وانخفاض حوالات المغتربين. وتأثير كل ذلك على انخفاض احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية، كما ان القراءات الأولى للوضع الاقتصادي العالمي تشير إلى ان العالم مقبل على طرح سياسات نقدية جديدة سوف تضعف مكانة الدولار، في ضوء المطالبة بنظام عالمي جديد الأمر الذي سوف يؤثر على سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية.
   لقد أدار منظرو الليبرالية الجديدة ظهورهم لها بعد فشلها في أمريكا والعالم، لذلك لا بد من طرح سياسات اقتصادية جديدة لحماية الاقتصاد الوطني والمجتمع عامة والنقاط التالية تشكل خطوط عامة حول ابرز الخطوات المطلوبة في هذه المرحلة :
1– تخفيض أسعار الفائدة على التسهيلات الائتمانية للاقتصاد الحقيقي لتمويل المشاريع الاستثمارية بما يتناسب مع الميل العام نحو انخفاض الفائدة عالميا, وتخفيضها على قروض الاسكان وفق الشروط التي كانت سائدة عند تعاقد العملاء مع المؤسسات المصرفية, حيث شهدت البلاد اقبالا واسعا على الاقتراض من ذوي الدخل المحدود بسبب انخفاض معدلات الفائدة التي تراوحت ما بين 5.5% و7.5%, قبل ان تصل الى حوالي 10% ما شكل عبئا ثقيلا على نفقات الاسرة واحتمالات عدم تمكن بعضها من الوفاء بالتزاماتها خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وحالة الركود الاقتصادي المتوقعة خلال المرحلة المقبلة, لذا لا بد من التدخل الحكومي لتصويب قرارات البنوك العشوائية وتجنيب البلاد ازمة مالية.
2– تعزيز وتطوير وتكثيف الرقابة على البنوك والمؤسسات المالية وشركات البورصة, ورفع نسبة التأمينات بما يتناسب مع حجم تعاملاتها في السوق المالي, وزيادة نسبة الاحتياط النقدي الالزامي, وخاصة بعد قرار الحكومة بضمان الودائع لنهاية عام 2009 ، مع توفير الضمانات الكافية لحماية اموال المستثمرين والمودعين بشفافية عالية.
3– اتباع سياسة مالية تقوم على الاعتماد على الذات, بضبط النفقات العامة وطرح سياسة تقشفية في الدوائر والمؤسسات الحكومية, خاصة في مجال النفقات المظهرية والمكافآت والعقود الخيالية التي تبرمها الوزارات مع »المستشارين« والنفقات الرأسمالية التي لا تسهم في توليد الدخل وحصر هذه النفقات في مجالات تطوير القطاعات الصحية والتعليمية والبنية التحتية الضرورية جدا وتحريم الاقتراض لتمويل النفقات.
4– تصويب الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الوطني بزيادة دور الاقتصاد الحقيقي المتمثل بالقطاعات الإنتاجية الصناعية والزراعية باستثمار الثروات الوطنية في البلاد, ومن المفيد التذكير ان من اهم أسباب الأزمة الاقتصادية في النظام الرأسمالي انخفاض نسبة الاموال الموظفة في الاقتصاد الحقيقي التي لا تتجاوز الثلث وثلثي الاستثمارات في القطاعات الخدمية والمالية والمضاربات في البورصات.
5– تخفيف عبء المديونية والتخلي عن سياسة الاقتراض ووقف بيع سندات الخزينة لتمويل الانفاق الحكومي التي تمتص السيولة في الأسواق المحلية, وتسهم بزيادة الأعباء على الخزينة لتكلفتها المرتفعة.
6– تحقيق إصلاح ضريبي يسهم بزيادة إيرادات الخزينة من الضريبة المباشرة وتخفيض ضريبة المبيعات واستخدام السياسة الضريبية كاداة لتطوير القطاعات الإنتاجية.
7– وقف سياسة الخصخصة ومحاولة انقاذ المؤسسات التي تم التخلي عنها لصالح الرأسمال الأجنبي. مع الغاء اي شكل من أشكال خصخصة قطاعات التعليم والصحة, ووقف محاولة تطبيق هذه السياسة في مستشفى الأمير حمزة كنموذج لخصخصة القطاع الصحي.
8-إعادة الاعتبار الى وزارة التموين لمراقبة الأسعار وخاصة بعد انخفاض اسعار المشتقات النفطية ،وكسر احتكار السلع الرئيسية وحماية المستهلك من جشع التجار واستغلالهم وإخضاع التجارة الخارجية للمصالح العليا للبلاد.
9– محاربة أشكال الفساد المالي والإداري كافة ومعاقبة الفاسدين, وتوفير الآليات المناسبة لتحقيق الشفافية.
01– من اجل تحقيق هذه الأهداف لا بد من تحقيق إصلاح سياسي, وهذا يتطلب إصدار قانون انتخابات جديد يعتمد على القائمة النسبية وإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة, وتطوير القوانين العامة المرتبطة بالحريات العامة وبناء دولة القانون والمؤسسات, وتوفير مناخ ملائم للتداول السلمي للسلطة تتحمل الحكومة مسؤولياتها كافة تجاه الوطن من خلال برنامجها المقر من قبل مجلس النواب المنتخب.