الانتخابات.. مقدمات ونتائج

اجمع المراقبون على ان ظاهرة مناقلة الاصوات وشرائها كانت من ابرز مظاهر الانتخابات النيابية للمجلس الخامس عشر, وقد سجلت النتائج المعلنة للانتخابات اتساع دور ونفوذ الاثرياء من التجار والمقاولين ورجال الاعمال, وتراجعا ملموسا لدور الحركة السياسية, وهناك اسباب متعددة وراء هذه النتائج اهمها:

1- قانون الانتخابات الحالي الصوت الواحد شكل عقبة اساسية امام تطوير الحياة السياسية واسهم في اضعاف دور وتأثير الاحزاب السياسية, كما اسهم في تمزيق وتفتيت البنى الاجتماعية, وقد قيل هذا الكلام مرارا وتكرارا على مسمع المسؤولين, وكادت الحكومة ان تقدم على خطوة ملموسة باتجاه استبدال القانون, الا انها تراجعت بشكل مفاجئ بحجة عدم تكرار »تجربة حماس في الضفة وغزة« حسب ما رشح من معلومات رسمية بهذا الصدد, وعلى الرغم من ان هذه المبررات غير مقنعة, الا ان النتيجة النهائية كانت اضعاف دور الاحزاب السياسية لرفض الحكومة تعديل القانون.

2- القدرات المالية الضخمة التي سخرت من قبل رجال المال في الحملات الدعائية والممارسات غير المشروعة التي اقدم عليها عدد غير قليل من قبل المرشحين في نقل الاصوات وشراء الذمم والامكانيات اللوجستية التي استخدمت لتفريغ الاصوات في صناديق الاقتراع لايصال اسماء الى مجلس النواب بعضها, اسماء مجهولة ليس لها دور في الحياة العامة.

3- الاعتماد على القاعدة الاجتماعية العشائرية والتي شكلت خلفية لوصول نسبة غير قليلة من المرشحين للمجلس الجديد, وهي ظاهرة ليست جديدة برزت بشكل واسع منذ صدور قانون الصوات الواحد.

لهذه الاسباب مجتمعة ولغيرها لا يتسع المقال لذكرها, اوصلتنا اللعبة الديمقراطية الى هذه التركيبة النيابية, مجالس نيابية غير مسيسة فسيفسائية, لا تشكل اطرا حزبية سياسية محددة, او تيارات او تكتلات سياسية تكون قادرة على طرح برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي, وتسهم بحل اشكالية تشكيل الحكومات وفضها استنادا الى ارادة المجلس النيابي.

ومن باب التذكير فان البرلمان الحادي عشر الذي انتخب عام 1989 بعد الانفراج السياسي, وجاء على اثر هبة نيسان الشهيرة, الرافضة للسياسات الاقتصادية التي كانت سائدة, وقبل اصدار قانون الصوت الواحد, اتاح للمواطن حرية انتخاب مرشحين بعدد مقاعد دائرته, افرزت تلك الانتخابات في حينه البرلمان الاقوى في تاريخ البلاد, منذ تاريخه ولغاية الآن, وعلى الرغم من ان قانون الانتخابات السابق من مخلفات الاحكام العرفية, الا انه يعتبر قانونا تقدميا قياسا للقانون الحالي الذي شوه الحياة النيابية, وقد نجح في تحقيق نتائج ملموسة, لا يمكن اغفالها في حياة البلاد السياسية, لو لم تقم الحكومات بنزعها والانقضاض عليها, حلت الحكومة المجلس المذكور قبل انتهاء دورته, واصدرت قانونا مؤقتا »قانون الصوت الواحد«, لتغيير تركيبة المجلس السياسية, واحلال مجالس قابلة للتعامل مع المرحلة الجديدة وبشكل خاص موضوع التسوية السياسية, بالاضافة الى تمرير سياسات اقتصادية محددة.

ومنذ ذلك التاريخ ونحن نشهد ضعفا ملموسا لتركيبة البرلمانات, وقد شهدنا اداء متدنيا للبرلمان الرابع عشر, وسوف نشهد في الدورة الحالية برلمانا اكثر تواضعا, واضعف ارادة امام الحكومة, الامر الذي سيدفع الحكومة لاتخاذ اجراءات اكثر حدة تجاه حياة المواطنين المعيشية, في ظل تحديات كبيرة منها ما هو مرتبط بتداعيات التسوية السياسية, ومنها ما هو مرتبط في الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.