جدل مستمر حول سياسة التخاصية

سجلت عائدات التخاصية اعلى نسبة مقبوضات خلال عام 2006 حيث بلغت (452.5) مليون دينار, بعد بيع الحكومة الجزء المتبقي من اسهم شركة الاتصالات الاردنية. لعدة جهات كان ابرزها شركة فرانس تيلكوم التي استحوذت على 51% من اجمالي اسهم الشركة. كما باعت الحكومة 40% من اسهم شركة الفوسفات الاردنية وهي جزء من حصتها البالغة 65.6% الى سلطنة بروناوي بالاضافة الى بيع اسهم الشركة الاردنية لصيانة محركات الطائرة والشركة الاردنية للتدريب على الطيران, وبذلك يكون مجموع عائدات التخاصية لغاية الربع الاول من العام الحالي (1220) مليون دينار حسب آخر التقارير الرسمية, انفقت الحكومة نصفها وبقي النصف الآخر.

رغم هذه الخطوات الواسعة والسريعة التي نفذتها الحكومة في هذا المجال الا ان سياسة التخاصية ما زالت تثير جدلا واسعا داخل المجتمع الاردني عامة وبين الفعاليات الاقتصادية والسياسية والنقابية بسبب الاضرار الناجمة عن هذه السياسات. ولا يقتصر الجدل على المجتمع الاردني وحده حول التخاصية بل ان هذا الجدل يشمل مختلف المجتمعات التي طبقت هذه السياسة, وقد اجرى مركز التنمية العالمية استطلاعا للرأي للتعرف على مدى الاحباط الذي تعاني منه الشعوب من تطبيق التخاصية. بسبب تبديد الثروة الوطنية وبيعها باسعار لا تتناسب وقيمتها الحقيقية لاسباب لا تخلو من الفساد. وفصل العديد من العمال عن العمل, وتحكم الرأسمال الاجنبي بالثروات الوطنية, وجاءت نتيجة الاستطلاع ان حوالي 70% من المواطنين الروس ضد هذه السياسة, مؤكدين ان اوضاعهم المعيشية في العهد السابق كانت افضل, وبنسب متقاربة في بعض دول اسيا وامريكا اللاتينية.

كان واضحا منذ البداية ان الاردن حين اقدم على بناء مؤسسات القطاع العام لم ينطلق من رؤية فكرية لبناء اقتصاد اشتراكي, وكان مضطرا لتخصيص اموال طائلة سواء من الخزينة او اقتراض من الخارج لبناء بنية تحتية وتوفير خدمات عامة للمجتمع, او للاستثمار في بعض المشاريع المتعلقة في الصناعات الاستخراجية. وذلك لعزوف المستثمرين المحليين او الاجانب عن القيام بمثل هذه المشاريع الوطنية.

اسقطت سياسة التخاصية على الاردن كما على غيره من الدول النامية, استجابة لضغوط صندوق النقد والبنك الدوليين, وتمشيا مع نهج الليبرالية الجديدة في مرحلة العولمة الرأسمالية, طبقت هذه السياسة بشكل عشوائي ودون اعتبار للمصالح الوطنية. قيل ان هذه السياسة قائمة لمعالجة وضع المؤسسات المتعثرة والتصدي للفساد المالي والاداري, وتحسين الاداء الاقتصادي, وانهاء سياسة الاحتكار لبعض المؤسسات المملوكة للدولة, قد تكون بعض هذه الاسباب وجيهة وتستحق الاهتمام لتجنيب الخزينة خسارة او تجنيب المواطن بعض الاضرار, فالابقاء على ملكية الدولة لمؤسسات خاسرة دون اتخاذ اجراءات لاعادة هيكلتها, او معالجة مشاكلها المالية امر غير مقبول مثل وضع الخطوط الجوية الملكية الاردنيةالتي تتراكم خسائرها ووصلت مئات الملايين, وكذلك التصدي لسياسة الاحتكار ووجود منافسة تفسح المجال امام المواطن للحصول على خدمة واسعار مناسبة حاجة ضرورية وحيوية للمجتمع, لكن الاعتراض على سياسة التخاصية لم ينطلق من هذه النقاط.

ما معنى ان تقوم الدولة ببيع كامل حصصها في شركة الاتصالات الاردنية التي تحقق ارباحا عالية وتمليك الشركة الاجنبية 51% من حصص هذه الشركة, الامر الذي يؤدي الى التنازل السيادي الطوعي غير المبرر لاهم الشركات الوطنية في البلاد, والتنازل عن حصة الحكومة من ارباح هذه الشركة, للشركة الاجنبية, في حين ان الخزينة بأمس الحاجة الى هذه الاموال, علما ان برنامج التخاصية يدعي ان احد اسباب سياسته توفير المال على الخزينة, فالشركة ليست متعثرة ولا تكبد الخزينة خسائر, بل على العكس تحقق ارباحا, فقط لاعتبارات ايديولوجية تفرضها الليبرالية الجديدة على العالم, وللخضوع لشروط صندوق النقد والبنك الدوليين, ولاعتبارات محلية بعضها معلوم وبعضها الاخر غير مفهوم, وما ينطبق على شركة الاتصالات الاردنية, ينطبق على العديد من المشاريع الاردنية مثل شركة الاسمنت الاردنية وشركة الفوسفات الاردنية وشركة البوتاس العربية وغيرها من الشركات الوطنية, وهذا النوع من الاستثمار الاجنبي, هو ليس من النوع المفيد, فهو استبدال رأسمال وطني برأسمال اجنبي, دون توليد دخل جديد, عدا عن التعرض للعمالة المحلية في هذه المؤسسات وفصل العديد منها, او احالتها للتقاعد المبكر الذي يشكو منه الدكتور عمر الرزاز, فالشركات الاجنبية التي تدخل ميادين استثمارية جديدة تسهم في انشاء صناعات جديدة, وتوظيف عمالة محلية, وزيادة المساهمة في النمو الاقتصادي وهذه الشركات التي تحتاجها البلاد, وينبغي السعي لاستقطابها, اما الجانب الاخطر في هذه السياسة يتعلق باموال التخاصية التي تنفقها الحكومة, فهي من اسوء نتائج هذه السياسات والتي تؤدي في نهاية المطاف الى انفاق رأسمال الدولة, ليس على مشاريع استثمارية جديدة, بل تحت ابواب مختلفة لا تتساوى بحال من الاحوال مع التهاون في بيع ملكية الدولة للرأسمال الاجنبي