تعهدت حكومة الدكتور معروف البخيت في بيانها الوزاري التي نالت الثقة على أساسه بتحقيق الإصلاح السياسي, ولم تكن الحكومة الأولى في تاريخ البلاد التي تقدم مثل هذا التعهد, وتضمن برنامجها تطوير التشريعات التي تعزز الحياة الديمقراطية في البلاد, الا ان ذلك لم يتحقق, ليس فقط بعهد هذه الحكومة بل والحكومات السابقة, وبقيت هذه الشعارات السياسية من دون تطبيق منذ العقد الأخير من القرن الماضي, حين دخلت البلاد مرحلة الانفراج السياسي على اثر هبة نيسان.1989
وبدلا من إصدار القوانين التي تعزز الديمقراطية أصدرت الحكومات القوانين التي تقيد الحريات العامة, وتعزز النزعة العرفية لدى السلطات السياسية, لقد اعتادت الحكومات المتعاقبة على تقديم الوعود بإصدار قانون انتخابات ديمقراطي متطور يسهم في تطوير الحياة السياسية, كما اعتادت ان تغادر هذه الحكومات الدوار الرابع من دون ان تقدم شيئا في هذا المجال, وحال حكومة البخيت يبدو ليس أفضل حالا من الحكومات السابقة, لقد انتهت الدورة البرلمانية الأخيرة لمجلس النواب ولم ير القانون المنتظر النور.
كما لم يتضمن جدول أعمال الدورة الاستثنائية اي قانون له صلة بالحياة السياسية, ومن المنتظر ان تجرى الانتخابات القادمة بموجب القانون الحالي, قانون الصوت الواحد الذي ادخل الحياة السياسية في ازمة حادة منذ صدوره, وهو ما زال يشكل عقبة كأداء في وجه الإصلاح السياسي. اما الخيار الآخر المتوقع, اصدار قانون انتخابات مؤقت, لن يكون بحال من الأحوال أفضل من القانون الحالي من حيث الجوهر, حتى وان تضمن بعض التعديلات الإدارية او تقسيم الدوائر الانتخابية.
وهنا ينبغي التحذير من إصدار قانون كهذا دون العودة إلى أطراف العمل السياسي وتجاهل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني, او مجرد سماع رأي هذه الأطراف دون أخذه بعين الاعتبار كما جرى في قانون الأحزاب, فان ذلك يعبر عن نهج للسلطة انطلاقا من مبدأ حسابات الربح والخسارة, وبعدد النواب المتوقع وصولهم للمجلس لهذا الاتجاه او ذاك, اي بمعنى آخر تكليف الحكومة باختيار ممثلي الشعب نيابة عنهم من خلال القوانين التي تفرضها بحكم تأثيرها ونفوذها السياسي على مختلف المؤسسات.
اما قانون الأحزاب الذي اقره النواب والأعيان باسم تجميع الأحزاب ودمجها, وباسم تطوير الحياة السياسية, فهو يستهدف القضاء على هذه الأحزاب والحياة الحزبية, اندماج الأحزاب ضمن تيارات فكرية وسياسية لم يأت بقرارات إدارية, وإجراءات قسرية, هل نتوقع من الحكومة إصدار قانون يعطيها الحق بدمج الأحزاب السياسية المتشابهة, على غرار دمج النقابات العمالية المتشابهة الذي تم في سبعينيات القرن الماضي..!
الدول العريقة بالعمل الديمقراطي والحزبي والتي تتداول بها السلطة حزبان او أكثر, لا تتضمن قوانينها اشتراط هذا العدد من الموسسين للحزب السياسي, وغالبا ما يبدأ النشاط الحزبي بعدد محدود من أصحاب الرأي الذين يتبنون مهمة الدفاع عن مصالح شرائح او طبقات اجتماعية معينة, والتشريعات الديمقراطية تتيح لهم فرصة التعبير عن سياساتهم, فمثلا تشترط بعض الديمقراطيات في العالم ان لا يترشح للبرلمان اي شخص الا عبر إطار حزبي كما توفر التشريعات تمويلا للأحزاب السياسية يتناسب مع حجم التأييد الشعبي للحزب وعدد الأصوات التي يحصل عليها مرشح الحزب, او عدد النواب الفائزين للحزب, وهي آليات مختلفة الهدف منها ايصال التمويل الحزبي بما يتناسب وتأثير هذه الأحزاب في الحياة السياسية, كما تتضمن التشريعات الديمقراطية فتح أبواب المؤسسات الإعلامية الرسمية أمام كافة الاتجاهات الفكرية والسياسية بشكل متساو للتعبير عن برنامجها السياسي أمام الجماهير.
لا احد ينكر ان الحياة الحزبية تمر بأزمة حقيقية, وان الأحزاب السياسية لا تتمتع بتأييد شعبي مع استثناءات محدودة, اما الأسباب التي ينبغي البحث عنها في سياسات الحكومات المتعاقبة المعادية للعمل الحزبي, والتي ما زالت تمارس هذه السياسات على الرغم من وجود قانون يضمن تنظيم العمل الحزبي والاهم من ذلك النص الصريح للدستور بضمان حق المواطنين في تأسيس الأحزاب السياسية فالحياة الحزبية لا يتم تطويرها بالإجراءات الإدارية او بتهكم المسؤولين على الأحزاب السياسية والتندر عليها بجمل وعبارات مقيتة, الحياة الحزبية مسؤولية وطنية تتحمل كافة المؤسسات الرسمية والشعبية مهمة تطويرها باعتبارها تمثل الركيزة الأساسية للحياة الديمقراطية في البلاد.