كان للجهد المميز لديوان الخدمة المدنية الاثر الاكبر على النتائج المعلنة في اعادة هيكلة نظام الخدمة المدنية, التي وضعت سلما تصاعديا للرواتب يتناسب مع الفئة والدرجة وطبيعة الوظائف والمؤهلات والخبرات, كما يقول رئيس الديوان مازن الساكت, وعالج وضع 23 الف موظف يتقاضون رواتب اقل مما يتقاضونه من هم ادنى منهم في الدرجات, ان خطوة كهذه في مجال الاصلاح تسهم بلا شك في معالجة التشوهات الهيكلية في نظام الرواتب الحالي المسؤول عن تدني نسبة الرواتب الاساسية وطغيان صيغة العلاوات لبعض الفئات على حساب الراتب الاساسي, وتؤدي في نهاية المطاف الى انخفاض قيمة الرواتب التقاعدية للموظفين الذين يقضون زهرة شبابهم في الوظيفة الحكومية.
وعلى اهمية هذه الخطوة الا انها غير كافية لمعالجة التشوهات الهيكلية في تحقيق اصلاحات جذرية, فايدي موظفي الديوان لم تكن طليقة لوضع ما هو افضل, بل كانت اسيرة لسقوف مسموح التحرك بها, وكانت مخرجات الحاسوب تقف عائقا امام اي تعديل يتجاوز السقف المسموح به, مما يرغم الجهاز الفني على اجراء تعديلات على التعديلات للوصول الى نقطة التوافق مع الكلف المسموح بها, مع الحرص على عدم الاجحاف بحق شريحة من الموظفين لحساب اخرى.
وعلى اهمية قرار مجلس الوزراء باعتماد هذه الاجراءات الاصلاحية على الرغم من العجز الذي تعاني منه الموازنة, الا ان خطوات باتجاه ضبط النفقات في مجالات لا تحتل اولوية لتوفير المال الضروري لتغطية نفقات اعادة الهيكلة امر ضروري, والتوجه نحو اجراءات اعمق واوسع في هذا الاتجاه مستقبلا ايضا ضروري.
التوجه نحو الاصلاح واعادة هيكلة نظام الخدمة المدنية يدفعنا للتفكير جديا باجراء اصلاحات في سوق العمل بشكل عام, حيث يعاني هذا السوق من حالة من الفوضى والارباك ناجمين عن خلل ينبغي معالجته.
فالمعلومات تشير الى ان “260000” عامل وافد حصلوا على تصاريح عمل في عام 2005 بزيادة قدرها 41600 وافدا قياسا لعام ,2004 يعملون في مختلف القطاعات الزراعية والصناعية والانشاءات والخدمات العامة, ويحتل قطاع الصناعة النسبة الاعلى, في حين نسبة البطالة بين العمال الاردنيين مرتفعة وان اختلفت نسبتها حسب مصادر المعلومات, الا ان المعلومات الرسمية تشير الى ان محافظات الجنوب تعاني من اعلى المعدلات وقد احتلت محافظة الكرك اعلى معدل للبطالة 24.5% ومحافظة الطفيلة 22.3% وادنى نسبة كانت في محافظة العاصمة 12.2% في الوقت الذي تعاني بعض القطاعات من نقص العمالة, وتطالب بموافقات للتوسع في استقدام عمالة اجنبية, عدا عن اشكالية الهجرة المتزايدة للعمالة المحلية الى دول الخليج, مما يعكس شكلا من اشكال التشوه الهيكلي في سوق العمل الذي يحتاج الى معالجة.
لا شك ان ارتفاع الاسعار وانخفاض القيمة الشرائية لرواتب العمال, وتدني الاجور وضعف دور الحركة النقابية في الدفاع عن حقوق العمال, من اهم اسباب عزوف العمالة المحلية عن العمل في السوق المحلية والتوجه نحو اسواق خارجية, الا ان اسبابا اخرى لها علاقة في التشوهات, منها مخرجات التعليم, وضعف الاهتمام في رفع مستوى المهارات الفنية للطبقة العاملة, وعجز قانون العمل عن مواكبة التطورات الاقتصادية والاجتماعية, وعدم توفر تأمين صحي شامل للعمال واسرهم. كل ذلك من الاسباب الجوهرية التي تسهم في خلق هذه التشوهات.