ان السياسات الاقتصادية التي اتجهت نحو توسيع دور الدولة في الاقتصاد لم تكن لاسباب عقائدية فالاردن اختار طريق التطور الرأسمالي والاقتصاد الحر منذ نشأته فالنظر الى هذه التطورات من دون قراءة موضوعية للمعطيات الاقتصادية والسياسية التي واكبت تطور الاردن منذ عهد الامارة, سيضع المراقب امام استنتاجات خاطئة لن تمكنه من معرفة الاسباب الحقيقية وراء ذلك, فمن المعروف ان موازنة الدولة لعبت دورا اساسيا بتنفيذ السياسات العامة للدولة, وهي الاداة الرئيسية لتحقيق اهدافها, وقد قفزت موازنة الدولة خلال نفس الفترة من 46.2 مليون دينار عام 1964 الى 3539 مليون دينار عام 2005 اولية حسب تقارير البنك المركزي, وكان لهذه التطورات والنتائج المبهرة للوهلة الاولى لدولة فقيرة محدوودة الموارد الطبيعية نسبيا, تحتل المناطق الصحراوية مساحات شاسعة, اثار سلبية على الاقتصاد الوطني اهمها شروط انفاق المساعدات الخارجية من قبل الدول المانحة, بالاضافة الى سوء استخدام موارد الدولة من قبل الحكومات المتعاقبة, فقد اسهمت هذه السياسات باتساع المؤسسة البيروقراطية في البلاد, مما ادى الى اهمال الانتاج الزراعي وتعميق التشوهات الهيكلية للاقتصاد الوطني. ان هذه التشوهات لم تكن وليدة الساعة فقد برزت مع نشوء وتطور الاقتصاد منذ قيام الدولة الاردنية, ومرد ذلك الى الظروف التاريخية التي نشأت بها الدولة ومراحل تطورها, ان عدم توفر امكانية العمل خارج حدود القرية في بداية تشكل الدولة كان حافزا للفلاحين للتمسك بالارض باعتبارها مصدر رزقهم الوحيد, وكانت القرية الملاذ الاول والاخير لابنائها, يغادرها ابناء شيوخ العشائر وبعض الميسورين لطلب العلم, وخلاف ذلك انحصر اتصال ابناء القرية بالمدينة في تصريف منتوجاتهم الزراعية وشراء بعض الاحتياجات الضرورية مثل الملابس وغيرها, ومع زيادة سكان القرية زاد فقر واملاق ابنائها لمحدودية الانتاج الزراعي الذي يعتمد بشكل رئيسي على مياه الامطار, ونظرا لعدم توفر امكانية تطوير الانتاج الزراعي او الانتقال الى اماكن اخرى للعمل فيها.ومع تطور الدولة الاردنية وتوسع مؤسساتها وانشاء البنية الحتية من خدمات عامة وزيادة الانفاق الحكومي اصبحت الهجرة من الريف الى المدينة ظاهرة ملموسة بهدف العمل في مؤسسات الدولة وقد امتصت اجهزة الدولة جزءا كبيرا من العاطلين عن العمل او البطالة المقنعة في الريف, واخذت هذه الظاهرة بالاتساع الى ان اصبحت ظاهرة سلبية, فق هجر معظم ابناء الريف الارض الزراعية لمحدودية مردودوها قياسا لمعدلات دخل الوظيفة الحكومية فاصبحت الدولة اكبر رب عمل توظف حوالي نصف العاملين في الاردن, الامر الذي ادى الى تضخم مؤسسات الدولة واصبحت كلفة الوظيفة الحكومية عبئا ثقيلا على الخزينة, فقد شكى وزير المالية في خطاب الموازنة لعام 2006 من زيادة اعباء فاتورة التقاعد التي اصبحت تشكل 15% من النفقات الجارية في عام 2005 علما ان الاشتراكات لا تغطي سوى 4.2% من هذه الفاتورة, كما شكلت فاتورة رواتب واجور العاملين في الحكومة المركزية والمؤسسات العامة نحو 16.1% من الناتج المحلي الاجمالي في عام 2003 وشكل بند الرواتب والاجور في الموازنة العامة ما نسبته 42% من النفقات العامة لنفس العام, وتعتبر هذه النسب من اعلى النسب عالميا, وتثقل كاهل الموازنة العامة بشكل كبير وتعكس هذه الفاتورة وجود هيكل تنظيمي حكومي كبير ومشتت ومتداخل يضم حاليا 23 وزارة مقارنة مع 15 وزارة في الدول المتقدمة واكثر من 130 دائرة ومؤسسة عامة. هذه الحصيلة النهائية للسياسات الاقتصادية التي طبقتها الحكومات المتعاقبة, والتي حكمت البلاد بسلطات مركزية, حكومات غير منتخبة ولم تحصل على ثقة الشعب في مرحلة الاحكام العرفية, وحتى الحكومات التي شكلت في مرحلة الانفراج السياسي في ظل قانون انتخابات الصوت الواحد لم تحظى بالشرعية الشعبية, وتفرض نهجها بقوة القانون الذي فرض بظروف استثنائية ان هذه التراكمات من الاخطاء السياسية والاقتصادية التي وضعت البلاد في ازمات اقتصادية خانقة وعمقت التشوهات الهيكلية للاقتصاد الوطني.منذ بداية الالفية الثالثة تسعى الحكومات المتعاقبة للتخلص من هذا العبء الثقيل عن طريق اعادة هيكلة الدوائر والوزارات وخصخصة مؤسسات الدولة, لتخفيف الاعباء عن الخزينة, فاذا كانت السياسات الاقتصادية السابقة اقترفت خطأ بتوسيع المؤسسة البيروقراطية وتشويه البنية الهيكلية للاقتصاد, فالحكومات الجديدة التي تسعى بوحي من الليبراليين الجدد بالتخلص من هذه الاعباء عن طريق فصل الاف الموظفين باسم اعادة الهيكلة تقترف خطأ اكبر, فلا يعالج الخطأ بالخطأ وبدفع البلاد والعباد نحو المجهول, ان سياسة اقتصادية جديدة قائمة على استثمار الامكانيات والثروات المتوفرة, وتصويب الاختلالات الهيكلية بتطوير القطاعات الانتاجية لتحقيق التنمية المستدامة ووقف هدر المال العام بمشاريع مظهرية ومكافحة الفساد هو المخرج الحقيقي للازمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد.