نقد الفكر الرأسمالي بين نظريات القرن التاسع عشر ومستجدات العصر

شهد العالم في العقدين الاخيرين من القرن الماضي تطورات هامة على مختلف الاصعدة الدولية والاقليمية والعربية, وقد تميز الوضع الدولي بتفرد الولايات المتحدة الامريكية بالهيمنة على العالم في ظل العولمة الرأسمالية وصعود الليبرالية الجديدة وسعيها المتواصل لفرض نفوذها وايدويولوجيتها على كافة ارجاء المعمورة مستخدمة ثقلها السياسي والاقتصادي وكذلك العسكري لاخضاع العالم لمصالحها ولرؤيتها الفكرية والسياسية, وقد استغلت المؤسسات الدولية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية كاذرع لفرض سياستها بالقوة, دون ادنى اعتبار للنتائج الكارثية التي افرزتها هذه السياسة, وقد برزت مفاعيلها بالاثار الناجمة عن سياستها هذه في البلدان النامية, بالجوانب الاقتصادية والمالية والنقدية, بدءا من تحميل الفئات الشعبية زيادة العبء الضريبي وانتهاء بفرض سياسة الخصخصة, وتحرير التجارة وتحرير الاسعار, وما تعنيه هذه السياسات من نتائج مؤلمة على الفئات الشعبية.
اما ما يتعلق بالرؤية للتحولات التي جرت على بنية النظام الرأسمالي, واثار ذلك على التناقضات الداخلية في النظام الرأسمالي والتناقض بين العمل ورأس المال. فلم تشهد رؤية ماركس في هذا المجال تطويرا ملحوظا يتناسب مع التطورات الكبيرة التي مرت بها الرأسمالية. قدم ماركس نطريته حول نقد الرأسمالية في اواسط القرن التاسع عشر في مرحلة تاريخية معينة من تطور الرأسمالية, والاستخلاصات التي توصل اليها في تلك الحقبة التاريخية تأتي ضمن سياقها التاريخي, ولا يجوز اسقاطها على كل زمان ومكان فالظواهر التي درسها ماركس في حياته هي في تحول مستمر, بفضل الانجازات التي حققتها البشرية في مجال العلم والتكنولوجيا والتي كشفت عن مظاهر جديدة للنظام الرأسمالي التي تحتاج الى دراسة معمقة لاستيعاب اثار المستجدات العلمية في النظام الرأسمالي, وهي بمثابة انقلاب على مفاهيم الرأسمالية في مراحل تطورها الاولى رغم احتفاظها بالجوهر, وتجلى هذا بالتكيف مع مواجهة المستجدات, وكان ابرزها مواجهة الازمات الاقتصادية التي شهدها النظام الرأسمالي في بداية القرن العشرين خلال اعوام 1929-1933 والتي كادت تعصف بالنظام الرأسمالي في معظم الدول الصناعية, مما حدا بالمفكرين الاقتصاديين في النظام الرأسمالي بالتدخل لانقاذ هذا النظام من الانهيار, وقد برزت الفلسفة الاقتصادية الكنزية كبديل للفكر الكلاسيكي ومنقذ للنظام الرأسمالي, وشكلت انقلابا جوهريا في الفكر الاقتصادي تمثل في تدخل الدولة في مختلف الانشطة الاقتصادية والاجتماعية, متخلية عن محرمات الفكر الرأسمالي الكلاسيكي ومن ابرز خطواتها زيادة الانفاق الحكومي لتخفيض معدلات البطالة, وانشاء منظومة من التشريعات والمؤسسات في مجال التأمينات الاجتماعية والصحية للعمال, بالاضافة الى تأميم قطاعات اقتصادية رئيسية.
ادخلت النظرية الكنزية النظام الرأسمالي في مرحلة جديدة وهامة في تاريخها, وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية, فقد حققت اصلاحات جوهرية في النظام الرأسمالي, دون المساس في جوهره, وعمقت البعد الاجتماعي وخففت من الاحتقانات الطبقية, وشكلت حالة توازن نسبي في المجتمع, مستفيدة من سيطرة البلدان الرأسمالية على معظم بلدان آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية, في نهب خيراتها والحصول على النفط والمواد الخام باسعار زهيدة, ومستغلة اسواق هذه البلدان لتصريف فائض انتاجها, كل ذلك ساهم في امتصاص الازمات الاقتصادية, ووفر ربحية عالية وامكانيات ضخمة سهلت على الاحتكارات الرأسمالية امكانية الوصول الى صيغ واتفاقيات مع النقابات العمالية, لزيادة اجور العمال وتحقيق خدمات صحية واجتماعية, مما خفف من حدة الصراع الطبقي, الذي برز بصورة جلية في بداية القرن الماضي وعلى الرغم من النجاحات التي حققتها السياسة الاقتصادية الكنزية, فقد افرزت نتائج غير محسوبة وكان من اهمها, زيادة عجز الموازنة, الناتجة عن تخصيص مبالغ اضافية للانفاق الحكومي, مما ترتب على ذلك, زيادة الضرائب لتغطية النفقات وتخفيض العجز, وقد تعالت اصوات النقديين »نيوكلاسيك« مشككة بامكانية الاستمرار في البرنامج الاجتماعي, بسبب الثمن الباهظ لهذه السياسة. وقد شكل الانهيار الدراماتيكي للنظام الشمولي في الاتحاد السوفيتي واوروبا الشرقية انتصارا للاتجاه المتشدد في البلدان الرأسمالية, وبدأ الهجوم الكاسح على السياسة الكثرية والسياسة الاشتراكية على حد سواء, وعلى القطاع العام, وعلى كافة اشكال تدخل الدولة في ادارة الاقتصاد, وعلى المكتسبات العمالية ومختلف اشكال الدعم للخدمات.
توقع ماركس, مع تطور الرأسمالية وزيادة تشديد الاستغلال بهدف تحقيق اعلى درجات الربح, زيادة الافقار, الذي سيؤدي الى تحويل غالبية السكان الى بروليتاريا, بما في ذلك الفئات الوسطى التي سوف تنقل الى البروليتاريا المعرفة, وفعلاً استمرت هذه الظاهرة بالتحقق حتى منتصف القرن العشرين. فيما بعد بدأت تبرز مظاهر جديدة بفضل تقدم العلوم في مختلف مجالات الحياة, ادخلت الرأسمالية مرحلة جديدة من تطورها استندت على التقنيات الحديثة للمعلوماتية والاتصالات, حيث بدأت تتقلص الطبقة العاملة وتتسع الطبقة الوسطى في المجتمع, لقد ادت الثورة العلمية في شتى ميادين الحياة الى رفع الانتاجية بشكل يفوق كل التصورات, والى تمركز رأس المال وتكديس الثروة واستثمارها في تطوير العلوم والتكنولوجيا, وتوسيع الخدمات في المجتمع الرأسمالي, وانتاج ثقافة واعلام لمواكبة التطور الرأسمالي, وتمكينه من ادارة الحكم والهيمنة على العالم, لم يقف المفكرون الماركسيون المعاصرون عند هذه الظاهرة, لتحليلها وطرح استنتاجات بصددها بقيت الاحزاب الشيوعية تردد الافكار والاستخلاصات التي وصل اليها ماركس في القرن التاسع عشر, دون الانتباه للمتغيرات الهائلة التي يشهدها النظام الرأسمالي, ومع ذلك لا يمكن اعتبار ما وصلت اليه الرأسمالية في هذه المرحلة هو الشكل النهائي لتطورها, او نهاية التاريخ حسب النظرية الرجعية ل¯ »فوكوياما«.
لقد برزت مظاهر جديدة للرأسمالية في ظل احادية القطبية والعولمة, تجلت بمظاهر فاشية وعدوانية شرسة ومحاولة الهيمنة الكاملة على العالم, وخاصة من قبل الولايات المتحدة الامريكية بقيادة اليمين المحافظ, برزت في ابشع صورها في احتلال العراق وتدمير الدولة واشعال الحروب الاهلية وتشجيع النزعة الانفصالية لمنع الشعب العراقي من اعادة اللحمة وتحقيق الوحدة الوطنية لدولة تمتد جذور حضارتها الى اعماق التاريخ, وكذلك تشجيع المحتلين الصهاينة على ارتكاب ابشع الجرائم في فلسطين ولبنان, فالحصار المفروض على الشعب الفلسطيني والقتل والتدمير اليومي الذي تشهده الاراضي الفلسطينية بالاضافة الى جدار الفصل العنصري والانتشار السرطاني للمستوطنات الاسرائيلية في الاراضي العربية المحتلة وتقطيع اوصال الضفة الغربية لشطب اي امكانية لقيام دولة فلسطينية,كل ذلك يتم بتشجيع اليمين المحافظ والليبرالية الجديدة في البيت الابيض, اما الحرب القذرة التي خاضتها اسرائيل في لبنان بهدف سحق المقاومة وتدمير لبنان ومحاولة اشعال فتنة طائفية وارغام اللبنانيين على الاستسلام وتوقيع معاهدات مذلة مع الاسرائيليين. فقد جاءت بتخطيط وتنسيق مشترك مع الادارة الامريكية, وهي تواصل تدخلها البشع في الشؤون الداخلية للدول المستقلة وومحاولاتها المتواصلة لفرض وصياتها على العالم, وفرض الليبرالية كنمط اقتصادي وحيد, لا شك ان توازن الرعب الذي ساد في ظل الحرب الباردة كان كابحا للانفلات الامبريالي, فالغطرسة والزعرنة التي تمارسها اسرائيل وامريكا في العالم بصورة عامة وفي الوطن العربي والشرق الاوسط على وجه الخصوص لم يكن ممكنا ممارستها في ظل الحرب الباردة وتوازن الرعب في العالم, وهذا ليس تقييماً ايجابياً لتلك الحقبة بكافة جوانبها, فقد حملت سلبيات لا حصر لها, الا انها وفرت مناخا عالمياً ملائماً لانجاز استقلال عشرات الدول في القارات الثلاث.