احالت الحكومة مشروع قانون ضريبة الدخل الى مجلس النواب لمناقشته وبدوره المجلس احال المشروع الى اللجنة المالية لتقديم مقترحاتها, ويعتبر قانون ضريبة الدخل من اهم القوانين الاقتصادية والاجتماعية التي تحدد مسار وتوجه الحكومة تجاه مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية. تناولت في مقال سابق اثر السياسة الضريبية التي تنتهجها الحكومة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وبشكل خاص على القطاعات المنتجة الصناعة والزراعة وكذلك اثر هذه السياسات على البطالة وارى من المفيد استكمال البحث في هذا المشروع لأهميته.غني عن القول ان المشروع طرح في سياق الحوار الهادف لتحقيق اصلاح ضريبي, ذي بعدين الاول تحقيق العدالة الاجتماعية, والثاني زيادة اسهام الفئات والشرائح العليا في المجتمع في ايرادات الخزينة, وبالتالي زيادة مساهمة ضريبة الدخل في تخفيض عجز الموازنة التي وصلت الى ارقام قياسية خطيرة جدا ولا يستطيع اي مسؤول اغماض العين عنها, ويكفي الاشارة الى ما قاله وزير المالية في خطاب الموازنة امام مجلس النواب في 21/12/2005 »عجز الموازنة لامس حاجز المليار دينار اي ما نسبته 11.2% من الناتج المحلي والاجمالي« مع ضرورة الانتباه الى ان مساهمة ضريبة الدخل في ايرادات الخزينة متواضعة جدا, فقد بلغت (282.500) مليون دينار عام 2005 اي حوالي 3.1% من الناتج المحلي الاجمالي. علما ان مجمل الايرادات الضريبية لنفس العام بلغت 1765.8 مليون دينار, معظمها من ضريبة المبيعات, مما يبرر البحث عن اجراءات كفيلة بزيادة ايرادات الخزينة من ضريبة الدخل, وقد جاء تعديل المادة (2) من قانون ضريبة الدخل بالغاء استثناء شركات التضامن والتوصية البسيطة من قائمة الشركات, واخضاع هذه الشركات الى نسبة 20% من الضريبة اي مساواتها بالشركات المساهمة كالبنوك وشركات التأمين والشركات المالية والاتصالات, وعلى الرغم من اهمية اهتمام الحكومة بزيادة ايرادات ضريبة الدخل اذا كانت مهتمة فعلا, الا ان هذا الاجراء قد يكون مجحفا بحق الفئات والشرائح التي تملك هذه الشركات ويمكن تصنيفها بالفئات الوسطى, وقد صنفها القانون الحالي بالافراد وتتمتع بالاعفاءات الشخصية والعائلية وتخضع لنسبة ضريبية تصاعدية تبدأ بـ 5% حسب القانون الحالي, المشروع حرم هذه الفئات من الاعفاءات واخضعها الى نسبة 20%, وبذلك يكون المشروع اخضع جميع الشركات لضريبة موحدة, واسقط مبدأ الضريبة التصاعدية عن الشركات, خلافا لما هو وارد في الدستور.اما التعديل المدهش الذي لا يمت بصلة للاصلاح الضريبي ولا للعدالة الاجتماعية هو تخفيض ايرادات الخزينة من دون مبرر من قطاعات البنوك من 35% الى 20% وشركات التأمين من 25% الى 20% علما ان هذه القطاعات تحقق ارباحا عالية وهي في مقدمة القطاعات الاخرى في تحقيق معدلات مرتفعة في الربح, وفي دراسة مالية حول اداء 13 بنكا مدرجا في بورصة عمان اجرتها مجموعة الاهلي للاستثمارات البنكية ونشرتها »العرب اليوم« في 27/8/2006 تشير الى ان صافي الربح للعينة ارتفع بنسبة 17.2% خلال النصف الاول من هذا العام, وذلك بسبب انتعاش صافي ايرادات الفوائد بنسبة 40.4% حوالي 471.5 مليون دينار, مما يعني ضرورة واهمية زيادة مساهمة هذا القطاع بايرادات الخزينة لتخفيض عجز الموازنة, اما التوقعات المنتظرة لنتائج هذا المشروع في حال اقراره بصيغته الحالية تخفيض ايرادات الحزينة من ضريبة الدخل, فالزيادة المتوقعة من ضريبة الدخل من شركات التضامن والتوصية البسيطة لا تغطي العجز المتوقع من تخفيض الايرادات الضريبية من قطاع البنوك وشركات التأمين.اما بخصوص انجاز الحكومة المتمثل بإعفاء 90% من المواطنين من ضريبة الدخل حسب تأكيدات رئيس الوزراء في اكثر من مناسبة, لا شك انها خطوة بالاتجاه الصحيح, الا ان اشارة الرئيس هذه تثير تساؤلات هامة وتفتح ملف مستويات للدخول للبحث, ويمكن قراءتها بأن 90% من المواطنين غير قادرين على دفع ضريبة الدخل, اي ان الثروة مركزة بأيدي حفنة قليلة من الاغنياء وبالعودة الى ارقام دائرة الإحصاءات العامة نجد ان الاسر التي يزيد دخلها على (12000) دينار سنويا تساوي (56177) اسرة مكونة من (385150) شخصا ما نسبته 7% من مجموع السكان, مما تثير هذه المعلومات القلق الشديد حيال الفجوة الكبيرة بين الفئات والشرائح والطبقات الاجتماعية, الامر الذي يقضي اخضاع السياسات الاقتصادية والاجتماعية لصالح تضييق الفجوة وترميم الخلل الكبير الذي احدثته السياسة الاقتصادية للحكومات المتعاقبة والتي ادت الى افقار الفئات الشعبية والاطاحة بالطبقة الوسطى, هذه السياسات الانكماشية التي فرضتها املاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وما تبعها من اجراءات للتكيف مع شروط منظمة التجارة العالمية.التوجهات الحكومية المتمثلة في مشروع قانون ضريبة الدخل تدفع باتجاه تعميق الفجوة وخاصة ما يتعلق بزيادة العبء الضريبي على المؤسسات الصغيرة وتخفيض العبء الضريبي على القطاعات القادرة على الدفع, سوف تعمق الاحتقانات الاجتماعية وتهدد بآثار غير محمودة النتائج.