الوطن العربي الى اين..؟

لا شك ان الوضع العربي كان افضل حالا في النصف الثاني من القرن الماضي مما هو عليه الان على الرغم من الصراع الحاد الذي شهده الوطن العربي في تلك المرحلة على خلفية الصراع الدولي والحرب الباردة, استمدت حركة التحرر العربي قوة ومناعة من الجماهير الشعبية داخليا, ومن الاتحاد السوفييتي ودول عدم الانحياز عالميا, وحلمت بمشروع نهضوي حضاري, وبمجتمع المساواة والعدالة.
احتلال كامل التراب الفلسطيني بالاضافة الى سيناء والجولان والجنوب اللبناني, ورفض اسرائيل الانصياع لقرارات الشرعية الدولية, بحد ذاته كان تحديا للجميع شكل قاسما مشتركا لصياغة موقف عربي لمواجهة الاحتلال, الا ان هذا الموقف كان هشا ولم يرقى الى مستوى التحدي, فالصراعات الجانبية كانت اقوى من الصراع الرئيسي مع اسرائيل, نجح الاستعمار بشكليه القديم والجديد وبالتعاون مع اسرائيل في افشال المشروع النهضوي العربي باعتباره يمثل حالة النقيض للنظام الاستعماري.
لا يمكن تحميل اعداء الامة كامل المسؤولية في فشل هذا المشروع, فهناك اخطاء ارتكبت لا يمكن التقليل من اهميتها, وكان ابرزها تغييب الجماهير العربية عن طريق مصادرة الحريات العامة وغياب الديمقراطية, واختزال دور الجماهير في بعض المؤسسات الفوقية التي انشأتها انظمة الحكم تحت يافطات وجمل ثورية, مع ذلك نستطيع القول ان المشروع النهضوي العربي كان الهدف رقم واحد للاستعمار والامبريالية والصهيونية.
اما المرحلة الثانية والتي بدأت بعد انتهاء الحرب الباردة وتجسدت باحتلال امريكا للعراق, استهدفت النظام العربي نفسه, فلم يعد المشروع النهضوي قائما, قيل في الماضي ان 99% من اوراق الحل بيد امريكا وان اقامة تحالف مع امريكا هو الحل وان حلفاء الاتحاد السوفييتي في المنطقة هم المستهدفون, بعد اختفاء الاتحاد السوفييتي وحلفائه لم نجد تعاونا عربيا امريكيا قائما على اساس المصالح المشتركة للطرفين, ولم يتوقف التحيز الامريكي الكامل لاسرائيل, على الرغم من وضع كل الاوراق بيد امريكا, مما يعني ان امريكا لم تكتف بعدائها للمشروع الحضاري العربي بل تستهدف العرب عامة شعوبا وانظمة, فلم يعد خافيا على احد ان امريكا لم تشفع لحلفائها في المنطقة حين تتعارض مصالحهم مع مصالح اسرائيل, وتتدخل بكل صلافة لصالح اسرائيل, الامر الذي يستدعي وضع استراتيجية مبنية على اساس مصالح الاقطار العربية.
الخلافات بين معظم الاقطار العربية ليس لها اي اساس ايديولوجي او سياسي, كما كان سائدا في القرن لماضي, ولم يعد نظاما عربيا يطمح بتغيير نظام الحكم في بلد آخر, ليس هذا فحسب بل ان الاقطار مجتمعة وبغض النظر عن طبيعة انظمة الحكم السائدة فيها مستهدفة ليس فقط من قبل اسرائيل بصفتها العدو الرئيسي للامة العربية, بل ومن امريكا ايضا, لان طبيعة التحالف الاستراتيجي بين امريكا واسرائيل تضع السياسة الامريكية في المنطقة في حالة تعارض مع مصالح الوطن العربي.
الا تكفي هذه المساحة الواسعة من المصالح لاقامة تحالف عربي سياسي واقتصادي ينطلق من المصلحة المشتركة بين الاقطار العربية, لنضع البعد القومي والتاريخ والجغرافية وكل ما هو اساس للوحدة العربية جانبا, ونتحدث عن تحالف مصالح, الا يكفي ما يجري في فلسطين والعراق والسودان لاقامة مثل هذا التحالف للدفاع عن الكيان العربي اذا ما علمنا ان خطرا حقيقيا يتمدد باتجاه كافة الاقطار العربية.
اسرائيل تجاوزت كافة الاتفاقيات والمواثيق الدولية وقرارات مجلس الامن, وهي ماضية بتنفيذ مشروع شارون – اولمرت بفرض حل من جانب واحد عبر بناء جدار الفصل العنصري, وابتلاع نصف الضفة الغربية وشطرها الى قسمين وشطب وحدتها الجغرافية وحرمان الشعب الفلسطيني من اقامة الدولة, وحشر الفلسطينيين في المدن والتجمعات السكانية ودفعهم نحو التهجير مما يشكل خطرا ليس فقط على فلسطين وارضها ودولتها المنشودة, وكذلك على الاردن وكيانه, الا يستدعي هذا استنفار كافة الامكانيات الشعبية والوطنية والرسمية الاردنية والفلسطينية لبناء اوسع جبهة اردنية-فلسطينية, تنطلق نحو اقامة جبهة عربية في مواجهة المشروع الاخطر في تاريخ الامة العربية.
وما سياسة التجويع والحصار التي تمارسها اسرائيل وامريكا ضد الشعب الفلسطيني الا مقدمات لدفع السلطة نحو الانهيار او الانتحار لفرض المشروع التصفوي الصهيوني, لنضع الخلافات الفلسطينية-الفلسطينية والاردنية-الفلسطينية جانبا ونبدأ بفتح حوار لبناء الجبهة.
وفي العراق على الرغم من ادعاءات بوش بان العراق في احسن احواله بعد تشكيل الحكومة, وان القوات الامريكية تستعد للمغادرة, الا ان الوضع في العراق يمر بما هو اسوأ منذ احتلاله, وهو مرشح لمزيد من الانهيار الامني الذي قد يدفع البلاد نحو المجهول, ومخاطر التقسيم الطائفي اصبح ماثلا امامنا نتيجة السياسة التي اتبعتها الادارة الامريكية منذ احتلالها للعراق, ويتعرض الشعب العراقي الى حرب ابادة يشارك بها امراء الحرب وقادة المليشيات الطائفية وتثير الاحداث التي تشهدها البصرة شبهة تقاسم المصالح وتهريب النفط لصالح زعماء المليشيات, وفرق الموت تجوب الشوارع وتقتل كل من يعترض على سلوكها, وهي مقدمات لتقسيم العراق, اما الادارة الامريكية فتتعامل مع الشعب العراقي الذي رفض احتلالها لارضه بعقلية ثأرية, والفضائح تتوالى من فضيحة حديثة الى فضيحة الاسحاقي الى اكتشاف عشرات الجثث العراقيين ابرياء, ان ربط مجزرة حديثة بمجزرة »ماي لاي« في فيتنام عام 1968 كما ورد في وسائل الاعلام الامريكية يكشف بوضوح عن الانهيار المعنوي للجيش الامريكي في العراق والانحطاط الاخلاقي لادارته.
الوضع العربي يحتاج الى مراجعة جدية لا وقت لدفن رؤوسنا في الرمال, او اغماض عيوننا عما يجري حولنا في هذه الايام, ما يملكه الوطن العربي من اوراق اللعبة السياسية اكبر بكثير مما تملك ايران التي نجحت بادارة الصراع لصالحها, علينا ان نتقن فن ادارة الصراع وتوجيه الدفة بما يعيد الاعتبار للامة العربية ووقف نزيفها.