الاستقلال السياسي واشكالية التنمية

تخوض الشعوب كفاحا مريرا من اجل الاستقلال الوطني من نير الاستعمار ومخلفاته, ويشكل الاستقلال السياسي خطوة مركزية وشرطا اساسيا للانتقال الى مرحلة ما بعد الوجود الاجنبي في البلاد, ولكل مرحلة مهامها, وبعد انتزاع الاستقلال السياسي تبدأ المعركة الكبرى ازالة مخلفات الاستعمار بكافة جوانبه الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وسرعان ما تكتشف الدول عادة ان القيود التي فرضها المستعمر قبل رحيله اقوى من قدرات الدولة الحديثة على ازالتها يقول نهرو في خطابه امام مؤتمر باندونج الشهير قبل خمس واربعين عاما »تطلبون الاستقلال, حسنا, سوف يعطونكم ما تطلبون وسوف يوقعون على قصاصات ورق لم يعد في ذلك شك لاسباب كثيرة, اولها انه لم يعد بمقدورهم ان يسيطروا عليكم تطالبهم بقوة السلاح, سوف تجدون انفسكم رؤساء لشعوبكم, رعاياكم سوف يطلبون منكم جوائز الاستقلال من حقهم ان يتوقعوا تحسن احوالهم بعد الاستقلال.

فهل لديكم ما تعطونه لهم اشك كثيرا, لانكم جميعا منهوبون, مواردكم نهبت فعلا او هي مربوطة بنظم دولية تواصل عملية نهبها, سوف تطالبكم شعوبكم بما هو غير موجود لديكم تغيرون اتجاه سلاحكم من اعدائكم القدامى الى اعداء جدد داخل بلدكم.

لقد تنبأ نهرو مبكرا بما سوف تؤول اليه الاوضاع في البلدان النامية بعد الاستقلال, وبغض النطر عن النظم السياسة التي حكمت هذه البلدان, تبقى قضية التنمية الاقتصادية هي المعضلة الرئيسية.

ونحن في الاردن ومنذ تأسيس الدولة والاقتصاد يتجه نحو النظام الرأسمالي »الاقتصادي الحر«, وفي زمن الحرب الباردة بين المعسكرين اصطف الاردن سياسيا واقتصاديا الى جانب النظام الرأسمالي, ولم تفلح خطط التنمية التي وضعت في تحقيق تقدم ملموس سواء في مجال التراكم الرأسمالي, او حتى حمايته من الازمات, تعرض الاقتصاد الاردني الى هزات عميقة كان ابرزها في عام 1989 عند انهيار سعر صفر الدينار الاردني امام العملات الاجنبية واغراق البلاد بالمديونية, ولم نتمكن من الانتقال من مجتمع مستهلك الى مجتمع منتج, لقد تناولت هذا الموضوع بالتفصيل في المقالين السابقين واكتفى هنا بالوصول الى اهم الاستخلاصات المتعلقة بالتنمية ونتائجها, لقد تضاءل دور القطاع الزراعي سنة بعد اخرى على الرغم من كافة الخطط التي استهدفت زيادة مساهمته في الناتج المحلي الاجمالي, كما استهدفت الخطط تصويب الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الوطني بتخفيض عجز الموازنة وضبط الانفاق وزيادة الايرادات وتصويب انحراف الميزان التجاري, بزيادة الصادرات والتحكم بالاستيراد للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي, واستقرار سعر صرف الدينار, استمر عجز الموازنة بنسب عالية جدا, حققت الايرادات الضريبية زيادة ملحوظة, الا ان زيادة وتائر نمو الانفاق كانت اعلى, مما ادى الى حرمان الفقراء من الاستفادة من زيادة الايرادات بالحصول على خدمات اضافية وتوفير فرص عمل جديدة, وكذلك بالنسبة للميزان التجاري الارقام الفلكية التي وصل اليها الاستيراد الخارجي, امتصت كافة المكاسب التي تحققت في زيادة الصادرات, ليس هذا فحسب فانحراف الميزان التجاري اصبح يشكل تهديدا خطيرا, اما الفاجعة تكمن في سياسة الخصخصة التي اتبعت في البلاد من دون اي تمييز بين المؤسسات الناجحة التي تدر دخلا للخزينة وغيرها بالاضافة الى ذلك عدم الاستفادة من ايرادات الخصخصة، أما بخصوص النمو الاقتصادي فقد سجلت السنوات السابقة نموا تراوح بين 5-7% حسب الارقام الرسمية, ولم يظهر هذا النمو اي تقدم ملموس على الوضع الاجتماعي لاسباب كثيرة منها.

1- توزيع الدخل: لا تتوفر الاليات المناسبة لتحقيق توزيع عادل للدخل, تستحوذ فئة قليلة على معظم الدخل والغالبية العظمى من السكان يعانون من الفقر, ونسبة البطالة مرتفعة وهنا تجدر الاشارة الى ضرورة معالجة هذا الموضوع من خلال اعادة توزيع الدخل عن طريق النظم الضريبية الفاعلة والتي تحقق عدالة اجتماعية, ومرة اخرى يبدو ان الحكومة سوف تقع بمطب جديد في قانون ضربية الدخل, فهي حسب المعلومات الاولية خضعت لضغوط من اجل توحيد الضريبة على مختلف القطاعات, وهذا اجراء خطير اذا ما اقدمت الحكومة عليه, فهو يضعف نمو قطاعات الانتاج لصالح قطاعات الخدمات.

2- زيادة التضخم بفضل الارتفاع المتواصل للاهداف من دون توفير شبكة حماية للمواطنين من اثاره, على الرغم من تكرار الحديث حول هذا الموضوع, لا بد من وجود آليات محددة لحماية المواطنين من ارتفاع الاسعار وربط الاجور بالاسعار كما يجري في الدول التي تتبنى الاقتصاد الحر.

3- خدمة المديونية تتجاوز معدلات نمو الدخل القومي مما يؤدي الى امتصاص نتائج النمو.

4- الاعفاءات الضريبية الواسعة لبعض القطاعات ومن بينها المؤهلة »الكويز« والاسهامات المحدودة لقطاعات اخرى في ضريبة الدخل, كل ذلك ادى الى تواضع ايرادات ضربية الدخل بحيث لا تتجاوز 3% من الناتج المحلي الاجمالي.