خطة التنمية بين النظرية والتطبيق(2)

منذ ان بدأت سياسة التصحيح الاقتصادي في بداية التسعينيات في اعقاب انفجار الازمة الاقتصادية التي شهدتها البلاد عام ,1989 وموضوع تصويب التشوهات الهيكلية والاختلالات المالية تحتل اولى اهتمامات المختصين في هذا المجال, وجاءت خطة التنمية الاقتصادية 2004-2006 احدى محطات برامج الاصلاح, تناولت في المقال السابق المنشور في 17/5/2006 اثر الخطة على معدلات النمو وزيادة التضخم وتحقيق الاستقرار المالي من خلال ضبط العجز في الموازنة العامة وسوف اتابع ابرز نقاط الخطة.تناولت الخطة اهمية تحسين القدرة التنافسية للمنتجات السلعية والخدمية لزيادة مساهمة الصادرات في الناتج المحلي الاجمالي وتصويب الانحراف في الميزان التجاري, مع الابقاء على مستويات معينة للاستيراد حددتها الخطة بحوالي 30% من الناتج المحلي الاجمالي, للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي واستقرار سعر صرف الدينار, وقد حقق عام 2004 نموا ملحوظا بالصادرات الوطنية بلغت 37.7% لكن المستوردات نمت بنسب اعلى وصلت 42.4% حسب التقرير السنوي للبنك المركزي مما يعكس الاثر السلبي للانتفاح الاقتصادي على التجارة الخارجية الامر الذي ادى الى تفاقم العجز التجاري في ميزان المدفوعات, فقد ارتفع بمقدار 979.8 مليون دينار وتبعا لذلك سجل الحساب الجاري عجزا مقداره 12.7 مليون دينار مقابل وفر 766.8 مليون دينار تحقق في عام ,2003 كما سجل عجز الميزان التجاري لعام 2005 ارتفاعا ملحوظا بلغ 3541 مليون دينار ادى الى عجز في الحساب الجاري 1621.6 مليون دينار, وهذا ليس فقط لا يتوافق مع خطة التنمية, بل منحدر خطير ينبغي التوقف عنده.لا شك ان ارتفاع فاتورة النفط اسهم في زيادة المستوردات وزيادة عجز الميزان التجاري اذا علمنا ان فاتورة النفط وصلت عام 2005 الى 1213 مليون دينار بزيادة مقدارها 446 مليون دينار عن العام السابق لتشكل فاتورة النفط 16.4% من مستوردات المملكة, اذا اعتبرنا ان زيادة فاتورة النفط هي السبب الوحيد في اتساع الانحراف في الميزان التجاري نكون خدعنا أنفسنا وخلقنا مبررات للادعاء بسلامة التطورات الجارية على التجارة الخارجية, ان الانتفاح الاقتصادي وتحرير التجارة وازالة الحواجز الجمركية ادى الى هذا الارتفاع الكبير للعجز في الحساب الجاري.كما اظهر صافي الدين العام في نهاية 2006 ارتفاعا عن مستواه في نهاية 2005 ليصل الى حوالي 7573 مليون دينار او ما نسبته 82.2% من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2005 وبذلك تكون المديونية سجلت زيادة قدرها »478.5« مليون دينار عن عام 2003 وزيادة قدرها »748« مليون دينار عن استهداف خطة التنمية على الرغم من الكلفة المرتفعة لخدمة الدين فقد بلغت في السنوات الثلاث الاخيرة 2021.7 مليون دينار على اساس الاستحقاق و 1510.9 مليون دينار على اساس النقدي مما يعكس التوجهات الحكومية المتنامية تجاه الاقتراض والاعتماد على القروض في زيادة الانفاق.تحدثت الخطة عن دور القطاع الخاص من خلال تعزيز مشاركته في عملية التخاصية والاستثمار في المشاريع التنموية والتطويرية الكبرى, ولا شك ان الحكومات المتعاقبة حققت نجاحات ملموسة في مجال خصخصة المؤسسات الرئيسية في الدولة, لكن التوسع في هذا المجال لا يلقى الاستحسان خاصة اذا لم تراع المصالح الوطنية الكبرى, غالبا ما يكون هذا التوجه على حساب ايرادات الخزينة, بالاضافة الى اثاره الاجتماعية على العاملين في هذه القطاعات, ومع كل ذلك جرى انفاق ايرادات الخصخصة ليس على مشاريع استثمارية جديدة تسهم في معالجة البطالة وزيادة ايرادات الخزينة, كما ان ظاهرة هيمنة الشركات الاجنبية على المفاصل الرئيسية لاقتصادنا الوطني بدأت تخلق حالة قلق مشروع ليس فقط بين العاملين في هذه المؤسسات بل في المجتمع الاردني عامة.اما البعد الاجتماعي في خطة التنمية فقد تمحور حول قضايا البطالة والفقر وتطوير القوانين العمالية والضمان الاجتماعي, فقد طرحت الخطة التوجه نحو توسيع مظلة قانون العمل الاردني ليشمل القطاع الزراعي وتحسين شروط العمل وتطوير التشريعات العمالية, واحلال العمالة الاردنية محل الوافدة والحفاظ على علاقات عمل مستقرة بين اطراف الانتاج, لن نبوح سرا اذا قلنا ان معظم الجوانب الاجتماعية لم يطرأ عليها اي تقدم, مع التأكيد ان بعضها تراجع للخلف نتيجة التضخم وارتفاع الاسعار في مختلف ميادين الحياة, فحسب نشرة وزارة المالية ان معدلات البطالة ارتفعت الى 15.7% لعام 2005 بزيادة 3.2% قياسا لعام 2004 مع ان التقديرات العامة لمؤسسات المجتمع المدني تفوق هذه النسبة, وما زال عمال الزراعة بلا غطاء قانوني وقانون العمل الاردني يعتبرهم مثل خدم البيوت, رغم ذلك تتحدث الخطة عن استبدال العمالة الوافدة بالعمال الاردنيين, كيف يمكن ذلك..? والمهمشون لا يستطيعون بناء اقتصاد وطني لا بد من الاعتراف بهم كشركاء بالتنمية, والتنمية تستهدفهم فعلا وليس قولا.. بتوفير شروط الحياة الانسانية لهم.. وينسحب ذلك على بعض القطاعات الاخرى فقد شهدنا خلال العام الحالي اضرابات عمالية في اهم مؤسساتنا الوطنية مما يعكس الظروف الصعبة التي يعيشها عمالنا في المصانع والمؤسسات وحالة الاحتقان, الامر الذي يقتضي ضرورة تطوير التشريعات العمالية لتمكين العمال ومؤسساتهم النقابية من ادارة المفاوضات الجماعية وتحقيق مطالبهم المشروعة.