أعلن وزير المالية أمام مجلس النواب عن وجود اختلالات هيكلية في الموازنة ووعد باعتماد حلول جذرية تطبق تدريجيا على مدار ثلاث الى أربع سنوات لمعالجة هذه الاختلالات ، من خلال إصلاح ضريبي ووقف الدعم بكافة أشكاله ، نتفق مع وزير المالية بوجود اختلالات هيكلية في الموازنة ، لكننا قد لا نتفق حول أسبابها وسبل علاجها إذا انطلقت الحكومة برؤيتها الإصلاحية من نفس منطلقات الحكومة السابقة ، فلا ندري ماذا تحتوي جعبة الوزير ، لكننا ندرك من تجربتنا انه عند إطلاق تصريحات كهذه ان البلاد مقبلة على المزيد من الإجراءات الانكماشية ، نتمنى على الحكومة أن تفكر مليا في موضوع الإصلاح وان لا تقع بفخ الإصلاح الضريبي الماثل أمامنا بالقانون المؤقت لضريبة الدخل وأن لا تحمل الفئات الشعبية مزيدا من العبء الضريبي أو بزيادة الأسعار من باب تحريرها ورفع الدعم عنها، لا بد من إعادة النظر بالسياسات الاقتصادية والمالية وبمصادر إيرادات الموازنة وسبل إنفاقها بما يؤمن حد أدنى من العدالة الاجتماعية ، قبل التفكير بأي شيء أخر.
وسوف نلقي الضوء على بعض بواطن الخلل في النفقات العامة للدولة في مشروع قانون الموازنة لعام 2006 التي بلغت (3450) مليون دينار.
1-بلغت النفقات الجارية التقديرية 2607 مليون دينار بزيادة قدرها 82 مليون دينار عن عام 2005 إعادة تقدير ، منها 698.572 مليون دينار للجهاز المدني امتصت الرواتب والأجور 516.856 مليون دينار أي 74 % من حصة الجهاز المدني ، كما بلغ نصيب الجهاز العسكري 715 مليون دينار وخصص لتسديد الفوائد 350 مليون دينار ولصرف الرواتب التقاعدية والتعويضات 475.704 مليون دينار والباقي لدعم المؤسسات والبلديات والجامعات وفاتورة النفط ، وقد شكلت الرواتب والأجور والرواتب التقاعدية 992.5 مليون دينار أي حوالي 38 % من النفقات الجارية بزيادة قدرها 104 ملاين دينار عن عام 2005 إعادة تقدير ، أما فوائد القروض فقد سجلت زيادة قدرها 96.363 مليون دينار عن 2005 إعادة تقدير .
2-النفقات الرأسمالية : بلغت النفقات الرأسمالية التقديرية 843 مليون دينار بزيادة قدرها 210.5 مليون دينار عن عام 2005 إعادة تقدير اوما نسبته 33 % . لم يعد مرغوبا التوسع بالإنفاق الرأسمالي لسببين الأول شح الموارد المالية وزيادة الاعتماد على الضرائب والقروض ، خاصة إذا ما علمنا ان الإيرادات المحلية سوف تمول 19% فقط من النفقات الرأسمالية والباقي من القروض والمنح ، أما السبب الثاني فهو ان النفقات الرأسمالية لم تقم بدور استثماري يسهم برفد الخزينة بالإيرادات وتوظيف القوى العاملة والحد من البطالة بسبب طبيعة المشاريع التي تنفذها الدولة فمعظمها تتجه نحو استنزاف الأموال ، وغالبا لا تتعدى الإنشاءات والأبنية والصيانة والأثاث والسيارات بالإضافة إلى الرواتب والأجور وقد لوحظ زيادة ملموسة في الإنفاق بمجالات الإنشاءات تقدر ب76.122 مليون دينار ومصاريف أخرى ضمن النفقات الرأسمالية 104.156 مليون دينار ودراسات وأبحاث 13.506 مليون دينار .
مما تقدم لا بد من مراجعة أبواب الإنفاق ومصادر الإيرادات المحلية وخاصة الضريبية ، وتصويب المساهمة غير العادلة للشرائح والطبقات الاجتماعية بإيرادات الخزينة . علما ان الهامش المتاح لإجراء إصلاح في هذا المجال ضمن السياسات الاقتصادية المتبعه تاريخيا غير ممكن ، والعجز المزمن التي تعاني منه الموازنة له علاقة بالسياسات الخاطئة التي تراكمت منذ سنوات ، فعلى سبيل المثال لم يعالج موضوع تقاعد الموظفين مبكرا بإيجاد صندوق مستقل على غرار مؤسسة الضمان الاجتماعي بدلا من أن تتراكم على الخزينة مئات الملايين من الدنانير سنويا تفوق قدرتها على الدفع .
كما إن زيادة الاعتماد على الجباية الضريبية لمعالجة كافة الأزمات والمشاكل التي تواجهها البلاد تدفع الاقتصاد الوطني نحو نفق مظلم ، فعلى الرغم من كافة الإجراءات الضريبية ، والمبالغ الضخمة التي تحصلها الدولة من جيوب المواطنين ، مع ذلك تعاني الموازنة من عجز يقدر بحوالي مليار دينار سنويا ،كما لابد من ترشيد الأنفاق عامة ووقف زيادة الأنفاق غير المبرر الذي سبق ذكره ، على الحكومة أن تبحث عن الأسباب الكامنة وراء هذه الأزمات ، ما معنى أن تتخلى الدولة سنويا عن إيرادات للخزينة بالإعفاء الضريبي والتخفيضات الجمركية لشرائح وفئات قادرة على الدفع ، وتحميل هذا العبء على الفئات الدنيا في المجتمع ، ما معنى أن تتخلى الدولة عن إيرادات للخزينة ببيع استثمارات ناجحه لصالح جهات أجنبية .